تفاعلات التزود الإسرائيلي بالغاز المصري

إبراهيم عبدالكريم: تفاعلات التزود الإسرائيلي بالغاز المصري

  • 18 يونيو 2008

يشكل تدفق الغاز الطبيعي المصري إلى إسرائيل اعتباراً من مطلع مايو/أيار الماضي خاتمة قصة معقدة لصفقة استغرقت نحو خمس سنوات. فماذا عن السياق العام لهذا الحدث النوعي؟ وكيف تبدو جزئياته؟ وما هي تداعياته وآفاق تطوراته؟.

لقد اتخذت إسرائيل عام 2000 قراراً استراتيجياً بتحويل قسم كبير من منشآت الطاقة فيها إلى الغاز الطبيعي، لاعتبارات اقتصادية وبيئية. وكان مفهوماً أن ذلك القرار يستدعي توظيفاً هائلاً في البنى التحتية (محطات طاقة وخطوط أنابيب) وتوفير كمية من الغاز تكفي لعشرين سنة على الأقل، بينما يكفي الغاز الذي عثرت عليه شركة "يم تيطس" الإسرائيلية مقابل شواطئ عسقلان لعشر سنوات تقريباً (نحو 40 مليار متر مكعب فقط)، وهذا يعني أن إسرائيل بحاجة إلى مزود غاز آخر. وفي عام 2001 منحت شركة الكهرباء الإسرائيلية امتياز استيراد الغاز الطبيعي لشركة "يم-تيطس"، ولشركة الغاز المتوسطي الشرقي (EMG). وكانت إسرائيل أمام خيارين؛ إما شراء الغاز الفلسطيني الذي اكتشفته شركة الغاز البريطانية (British Gas) مقابل قطاع غزة عام1999، أو شراء الغاز المصري الموجود بكميات هائلة قبالة الإسكندرية ودلتا النيل.

وخلال تولي أرئيل شارون منصب رئيس الحكومة، أخذ يعارض بشدة فكرة التزود بالغاز الفلسطيني، بدعوى أن نقله محفوف بمخاطر أمنية، منها؛ احتمال قيام الفلسطينيين بوقف تصديره إلى إسرائيل في ظرف ما، كما قدمت الاستخبارات الإسرائيلية معلومات وتقديرات تفيد بأن توقيع الاتفاق مع "بريتش غاز" سيوفر أموالاً طائلة لتمويل "الإرهاب"؛ لأن الشركة تضم مساهمين دعموا الانتفاضة. واستناداً إلى ذلك، قرر شارون في 18 أغسطس/أب 2003 رفض أي صفقة مع شركة "بريتش غاز"، وأوعز بتوقيع اتفاقية مع مصر بأقصى سرعة.

ولدى مناقشة الذريعة الإسرائيلية لرفض صفقة الغاز الفلسطيني، سرعان ما اتضح أنها هراء؛ فمن المفترض بأنبوب الغاز المرتبط بآبار "بريتش غاز" مقابل شواطئ قطاع غزة الوصول إلى عسقلان مباشرة، ثم يتم بعد ذلك تصديره إلى قطاع غزة. مما يعني أنه لو قرر الفلسطينيون، جدلاً، عدم تصدير الغاز إلى إسرائيل فسوف يتوقف وصول الغاز إليهم هم أيضاً. وعندما سقط هذا الادعاء، طرح شارون مبرراً آخر ادعى فيه أن عوائد الغاز التي ستحصل عليها السلطة الفلسطينية ستستخدم لتمويل "الإرهاب". وهذا تضليل آخر، فإسرائيل تجبي لصالح السلطة الفلسطينية جميع الضرائب تقريباً التي تستخدمها السلطة. فما الفرق بين الشيكل الذي تحوله إسرائيل إلى الفلسطينيين، والشيكل الذي ستحوله إليهم شركة "بريتش غاز"؟!. الأمر المؤكد أن شارون اتخذ قراره باستبعاد السلطة الفلسطينية من الصفقة لاعتبارات سياسية بحتة، لتخسر الأخيرة بذلك دخلاً صافياً مهماً يتراوح بين 30-50 مليون دولار في السنة من بيع الغاز الطبيعي لإسرائيل.

ومع بدء قيام شركة الكهرباء الإسرائيلية في فبراير/شباط 2004 باستخدام الغاز الطبيعي، لأول مرة، في توليد الكهرباء، في محطة أسدود، كخطوة أولى من عملية الانتقال إلى استخدام الغاز في بقية محطات توليد الطاقة في إسرائيل، أخذت تزداد الضغوط الداخلية للإسراع بإنجاز صفقة الغاز المصري. وبالفعل وقعت شركة الكهرباء الإسرائيلية وشركة EMG اتفاقاً تجارياً بالقاهرة يوم 8/8/2005 لتزويد إسرائيل بالغاز المصري، بقيمة 2.5 مليار دولار، وبمعدل 1.7 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، لمدة 15 سنة، مع وجود خيار لخمس سنوات أخرى، وإمكانية زيادة كميات الغاز إلى 2.1 مليار متر مكعب في السنة. وطبقاً للاتفاق سوف يتدفق الغاز في أنبوب بحري تقيمه شركة EMG بطول 100 كم، يمتد من العريش في شمالي سيناء إلى مجمع كاتسا في عسقلان. وكان من المفترض أن يوفر هذا الاتفاق على إسرائيل مبلغ 300 مليون دولار في السنة، وهو ما سيقود إلى انخفاض أسعار الكهرباء في المستقبل، ويتيح لشركة الكهرباء الإسرائيلية زيادة إنتاجها من الكهرباء المولدة بالغاز والبالغ نحو 20% من إجمالي إنتاج الكهرباء في البلاد.

نتوقف هنا لنشير إلى أن شركة EMG تم تأسيسها بالمساهمة بين الملياردير الإسرائيلي يوسي مايمان (بنسبة 25%)، ورجل الأعمال المصري حسين سالم، الذي يملك 35% من أسهم الشركة، من بينها 10% لشركة الغاز المصرية الحكومية، أما نسبة الـ 40% الباقية فهي موزعة على شركات خارجية./n  /n وخلافاً لأنباء إسرائيلية حول تعهد مصري بأن يكون اتفاق تزويد إسرائيل بالغاز الطبيعي أشبه بعقدٍ بين دولتين، وليس مجرد اتفاقية تجارية، نفت الحكومة المصرية أمام البرلمان وجود عقود رسمية، موضحة أن التعاقد تم عبر شركات خاصة. وفي مارس/ آذار الماضي، انفجرت قضية الغاز، حين أثيرت مسألة انخفاض سعر الغاز المصري المباع لإسرائيل؛ حيث وصف ممثل الحزب الحاكم في مصر المسألة بأنها "قضية أمن قومي"، وشهد مجلس الشعب المصري مواجهة بين الحكومة والمعارضة، بعد رفض الحكومة الإفصاح عن السعر الحقيقي، بحجة وجود بند في العقد ينصّ على سرية المعلومات، وهو المبرر الذي رفضه نواب المعارضة.

وذهب معارضو الصفقة إلى القول بأنها تتجاهل العداء الإسرائيلي للعرب وقمع الفلسطينيين، وأنها تدعم الجهاز الاقتصادي الإسرائيلي في الوقت الذي أصبحت فيه مصر خلال السنوات الأخيرة مستهلكة مركزية للغاز، ويعتمد نحو 60% من استهلاك الطاقة فيها على الغاز الطبيعي، بينما لا يوجد فيها قدر كاف من الغاز للاستهلاك المحلي، بشكل قد تضطر معه الدولة إلى استيراد دفعات باهظة الثمن لاستهلاكها المحلي. كما أن الصفقة لم تراع المصالح المصرية؛ إذ سينفد المخزون الاستراتيجي للغاز مع نهاية الصفقة. وفي التفاصيل، رأى معارضو الصفقة أنها تمّت بإرادة سياسية، جراء ضغط أو مصالح لم تُعلَن، وادعوا ?استناداً إلى تسريبات إسرائيلية- أن السعر الذي باعت به مصر الغاز هو 1.5 دولار لكل مليون وحدة طاقة بريطانية (BTU)، في الوقت الذي وصل فيه السعر العالمي إلى ١٢ دولاراً، فضلاً عن أن مصر أنفقت 470 مليون دولار على إقامة خط أنابيب الغاز. ولكن بعد أسبوعين من بدء التزود الإسرائيلي بالغاز المصري، كشفت شركة EMG أنها تبيع الغاز الطبيعي إلى شركة الكهرباء الإسرائيلية مقابل 2.75 دولاراً لكل BTU، غير أن أسعار الطاقة في العالم ارتفعت بشكل ملحوظ منذ التوقيع على الاتفاق، كما ارتفع سعر الغاز الطبيعي الذي أصبح يباع اليوم في العالم بنحو 9 دولارات لكل BTU. وأمام هذه المستجدات طلبت مصر رفع سعر الغاز الذي تزود به إسرائيل، ولا يزال الموضوع قيد البحث.

في الأبعاد الأمنية للمسألة، من المرجح أن تنخفض سخونة القضية على الساحة الداخلية المصرية، بفعل ضعف التصاقها اليومي المباشر بحياة المصريين وظروف معيشتهم، قياساً بمشكلات أخرى، ولكنها ستظل على جدول أعمال احتجاجات المعارضة على سياسات النظام الحاكم. وعلى الجبهة الإسرائيلية، تسود حالة ارتياح إزاء بدء تنفيذ الصفقة، لكن هناك تخوفاً كبيراً ينتاب الأوساط الأمنية من احتمالين؛ أحدهما: انقلاب الصورة في حال تغير النظام المصري الحالي، والآخر: قيام "الجهاد الاقتصادي" بتخريب أنبوب نقل الغاز، وهو ما سيخلق أزمة غير مسبوقة باقتصاد الطاقة في إسرائيل.

أما من الناحية الاستراتيجية، فتتجه النية الإسرائيلية إلى دراسة خيار "تعدد الموردين"، بهدف تقليص خطر التعلق بمصدر واحد للغاز، وتجري محاولات لاستيراد الغاز من روسيا أو أذربيجان، والارتباط بالبنى التحتية التركية، بواسطة أنبوب بحري بطول نحو 600 كم، يمتد إلى حيفا.. ولا شك في أن أي بديل من هذا القبيل سيبدو مرتفع التكلفة أمام الجدوى الاقتصادية الإسرائيلية للتزود بالغاز المصري، ناهيك عن المعاني السياسية لهذا التزود.

Share