تفاعلات الأزمة بين إسرائيل والسويد

إبراهيم عبدالكريم: تفاعلات الأزمة بين إسرائيل والسويد

  • 9 سبتمبر 2009

تعدّ الأزمة التي أثارتها إسرائيل مع السويد مؤخراً، حالة نموذجية لكيفية استغلال إسرائيل للظروف في مجالات يُراد لها أن تخدم توجهاتها العامة. ففي مواجهة التحقيق الذي نشره الصحفي السويدي دونالد بوستروم في صحيفة "أفتونبلادت"(في17/8/2009) حول قيام جنود في الجيش الإسرائيلي بقتل فلسطينيين وانتزاع أعضاء من أجسادهم وبيعها لاحقاً، أدارت إسرائيل حملة هستيرية، دعائية ودبلوماسية، لم تقتصر على الصحفي والصحيفة، ولا على الصحافة السويدية، بل طالت الدولة بكاملها، ليس فقط في عهد حكومتها الحالية، وإنما أيضاً في عهود تعود لأكثر من ستة عقود. وكانت هذه الأزمة فرصة سانحة للنفخ في رماد ادعاءات اللاسامية، بغرض الحصول على مواقف سياسية ترتبط بعقدة الذنب الأوروبية، المفروضة صهيونياً، إزاء ما جرى لليهود إبان الحرب العالمية الثانية. فكيف سارت تفاعلات الأزمة؟ وما هي نتائجها الرئيسة؟.

فور نشر مقال بوستروم، كان بإمكان حكومة إسرائيل أن تقدم دعوة تشهير ضد الصحيفة السويدية، وأن تنشر بيانات تنديد ضخمة في وسائل الإعلام السويدية، وأن تكتفي بتنديد السفيرة السويدية في إسرائيل إليزابيت بونير بالتقرير. ولكن المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، بأجنحتها وفعالياتها المختلفة، استهدفت "الحمام الزاجل" بنيران مدفع ثقيل، وأخذت تخوض معركة "كسر عظم" ضد السويد، بحكومتها وتاريخها الحديث والمعاصر. وحملت التصريحات والمواقف الإسرائيلية تعبيرات مستمدة من قاموس العداء والإدانة يصعب حصرها.

وأمام إلحاح الحكومة الإسرائيلية على حمل السويد للاعتذار رسمياً عن التقرير الصحفي، وجد رئيس الوزراء السويدي فردريك راينفلدت نفسه مدعواً لتأكيد أن حكومته لا تعتزم تقديم الاعتذار، معللاً ذلك بأنه "لا يستطيع أي إنسان أن يطالب الحكومة السويدية بانتهاك دستورها، فحرية التعبير شيء لا غنى عنه للمجتمع السويدي". وقال وزير الخارجية السويدي كارل بيلدت في مؤتمر صحفي عقد في ريكيافيك: "إنني كعضو في الحكومة السويدية، من واجبي احترام حرية التعبير، بناء على الدستور السويدي".

وتحول التحقيق في السويد إلى جزء ملحوظ من عناوين وسائل الإعلام المحلية، بعد مطالبة إسرائيل بتنديد رسمي، وأظهرت استطلاعات الرأي أن معظم الجمهور السويدي لا يؤمن بضرورة الاعتذار. لكن وزارة الخارجية الإسرائيلية ذهبت إلى أن "الموضوع المثار ليس حرية التعبير، وأن المطلوب هو استنكار واضح للتقرير المليء بعوامل عنصرية قد تدفع أناساً معينين للعنف ولجرائم نابعة عن الكراهية لليهود".

وبعد أن بلغت المواقف المتعارضة ذروتها، انبرى وزير خارجية إيطاليا فرانكو فراتيني، للبحث عن "حل وسط"، عبر بلورة صيغة عملية تنهي الأزمة. واستناداً لتاريخه المعروف وتقييمه لدى الإسرائيليين كملتزم بخوض كفاح عنيد ضد اللاسامية، ومبادرته في منصبه السابق كممثل للاتحاد الأوروبي للشؤون القانونية إلى سن تشريع يحول اللاسامية إلى مخالفة جنائية في كل دول الاتحاد الأوروبي، حاول فراتيني إقناع إسرائيل بالتجاوب معه، مؤكداً أنه مثل رئيسه برلسكوني، يعتبر مؤيداً حماسياً لإسرائيل، وهو من مهندسي فكرة الارتقاء بعلاقات إسرائيل مع الاتحاد الأوروبي. وجرى التنويه بأن إيطاليا كانت الدولة الأوروبية الأولى التي استضافت أفيغدور ليبرمان كوزير للخارجية.

ومما نشر حول وساطة فراتيني، أنه اتفق مع نظيره السويدي كارل بيلدت على أن يتم في مؤتمر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي إصدار بيان يتم فيه التوضيح بأن أوروبا، وفي مقدمتها السويد(الرئيس الدوري للاتحاد الأوروبي) تندد بحزم باللاسامية، وهي تنوي العمل ضد كل مظهر من مظاهرها في القارة. وبرأي فراتيني؛ "إن مناقشة مجلس الوزراء الأوروبي موضوع الشرق الأوسط هو المحفل المناسب الذي ستبرهن فيه السويد من خلال الأفعال الملموسة موقفها الحازم ضد اللاسامية، ومن الأفضل أن يأتي الرد السويدي من هناك وليس من خلال بيان حكومي للصحافة".

ولكن اللهجة التي صدرت عن إسرائيل جاءت حازمة، حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية يغآل بلمور: "كل مبادرة ضد اللاسامية هي مبادرة مباركة، وإذا كان التصريح شاملاً ولن يتطرق إلى تحقيق صحيفة "أفتونبلادت" فهو لن يحل أي شيء، وما نطلبه من السويديين هو التنصل من مضمون التحقيق والتنديد به". وبدا من هذا التصريح أن إسرائيل لا تريد لهذه الأزمة أن تنتهي إلا بعد استنفاد آخر قطرة من برتقالة الابتزاز التي برعت تاريخياً في امتلاكها. ويبدو أن وزير الخارجية السويدي كارل بيلدت أدرك هذه النية، لذا ألغى زيارته لإسرائيل(والتي كانت مقررة يوم 11/9/2009. ولعل من الأهداف التي وضعتها إسرائيل لذلك الابتزاز؛ دفع السويد خلال رئاستها الدورية للاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ "مواقف تكفّر فيها عن ذنبها"، بعدم الإصرار على تجميد الاستيطان والكف عن توجيه المزيد من الانتقادات لإسرائيل بشأن سياستها إزاء الفلسطينيين.

وفيما كانت الأزمة مفتوحة على التفاعلات، لم ينقطع سيل الحجج المتعارضة في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الإسرائيلية حول ذلك. ففي معسكر مؤججي نار العداء، تم التركيز على أن السويد تتهم إسرائيل بانتهاك حقوق الإنسان، وأن وزارة الخارجية السويدية أسهمت في تمويل كتاب للصحفي بوستروم الذي نشر التحقيق، والذي أورد معظم معطياته في كتابه المنشور عام 2001 بعنوان: "إن شاء الله".. كما لفتوا الانتباه إلى الأديب السويدي بان جوليو أحد كتاب الصحيفة المعروف بانتقاداته العنيفة لإسرائيل، والذي ساعد بوستروم بإعداد كتابه المذكور. ورأى هؤلاء أن رد فعل الحكومة السويدية والمعارضة لم يكن بالقدر المرغوب، وأنه يوجد لدى صحيفة "أفتونبلادت" تاريخ طويل جداً من القضايا المرتبطة بإسرائيل واليهود، وأنها لم تكتف بالتحقيق الأول الذي سبب الأزمة، بل نشرت تحقيقاً آخر عن الموضوع ذاته.

ليس هذا فقط، بل جرى "التنقيب عن ماض ٍأسود  للسويد"، اعتباراً من اللحظة التي لم ترضخ فيها للإملاءات الإسرائيلية، والتذكير بكل "خطايا الهولوكوست". وبحث "الخبراء" في ملفها الخاص بـ "معاداة السامية". وكان هناك من أدرج الموقف السويدي في إطار التعصب المناهض لإسرائيل، الذي تمارسه منظمات غير حكومية كثيرة وممولة من دول النفط العربية وصناديق غربية ضخمة، بهدف نزع الشرعية عن سياسة إسرائيل. وقال أحد كتابهم الكبار(يسرائيل هرئيل): "إن إحدى نتائج حملة التشويه الطويلة والمنظمة والعالمية المنفلتة العقال هذه قد تكون إباحة إبادة شعبنا من جديد".

وقام آخرون بالتذكير بحالات أخرى كثيرة وضعت مع الحالة السويدية في "سلة الكراهية الاسكندنافية" المصطنعة إسرائيلياً، منها ما يخص أيسلندا والدانمارك اللتين تم الحديث عن نزعات بغيضة فيهما للهجوم على إسرائيل، والنرويج التي قام وزير الخارجية ليبرمان بتأنيبها لأنها تقوم بإحياء ذكرى مرور 150 عاماً على ميلاد أكبر أدبائها(الكونت هامسون) بذريعة أنه شجع النازيين، وتم إيراد فقرات من سيرته تتضمن تبرعه بالجائزة التي حصل عليها عام 1943 لغوبلز (وزير إعلام الرايخ الثالث)، وكتابه رثاء لهتلر، الذي وصفه فيه بأنه "حارب من أجل الإنسانية".

وتراءى لآخرين أن الحدث الجديد يشكل فرصة مناسبة لفتح السجل الذي ملأته الصهيونية وإسرائيل بأسماء "المعادين للسامية"، وآخرهم؛ البابا بنديكتوس السادس عشر لأنه رفع أوائل هذا العام 2009 المقاطعة عن المطران ريتشارد ويليامسون الذي وصفوه بأنه "مناهض للسامية ومنكر للكارثة"، وباراك "حسين" أوباما الذي "يضغط على حكومة إسرائيل لتجميد الاستيطان في أرض الأجداد"، ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون التي "يكفي النظر لشفتيها الدقيقتين وعينيها المعاديتين للسامية لنعلم من هي التي نتعامل معها"، وأحمدي نجاد الذي يهدد بإزالة إسرائيل عن الخارطة، وصديقه الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، والملحن اليوناني ميكي تيودوراكيس.. وسواهم.

بالمقابل، وُجد بين الإسرائيليين من يذكرهم بأن للسويد سجلاً حافلاً بالمواقف الإيجابية حيال إسرائيل واليهود. ومن العينات التي ذكرت؛ إن السويد تعتبر من الدول القليلة التي سنت قانوناً خاصاً ضد "معاداة السامية"، وفي كانون الثاني عام 2000 استضافت مؤتمراً دولياً هاماً أعطى تحفيزاً أيضاً للنضال العالمي ضد "نفي الهولوكوست"، واستقبال السويد لـ"يسرائيل أومان"، البروفيسور الإسرائيلي المتدين المؤيد للمستوطنين، بابتسامة مشرقة حين تم منحه جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2005، وشرفته الصحيفة الرئيسة في السويد ذاتها "أفتونبلادت" بمقالة أثنت عليه كما يليق بأي حائز على جائزة نوبل. كما جرى التذكير بأن رئيس وزراء السويد هو من أطلق، للمرة الأولى، منبراً دولياً لمكافحة "العداء للسامية"، وأنه كان رجل الدولة الوحيد الذي أذن بإصدار كتيب عن "الهولوكوست" تم إرساله إلى كل أسرة في البلاد.

وتكبّد بعض المتخصصين عناء البحث في ملفات الماضي ليبينوا الخطأ الذي وقع فيه وزير خارجيتهم ليبرمان، بخصوص سجل السويد خلال الحرب العالمية الثانية. ومما وجدوه في هذه الملفات أن السويد وفرت الملاذ للكثيرين من اليهود وأنقذت الآلاف منهم من الوحش النازي. وأورد المؤرخ الإسرائيلي توم سيجف وقائع كثيرة حول ذلك (في مقال بعنوان: "خطأ ليبرمان التاريخي"، صحيفة هآرتس 24/8/2009).

وإلى جانب جماعتي "تأجيج العداء" و "تقدير الجميل"، برز مهتمون إسرائيليون تناولوا الموضوع من زاوية "براجماتية"، بهدف حماية مصلحة إسرائيل، وتجنيبها الضرر، جراء سلوكها الهائج. فقدّر بعضهم أن ردود الفعل الإسرائيلية تخطت كل النسب المعقولة، وأن حماسة إسرائيل الزائدة أدت إلى فضيحة كبيرة، وأن المبالغات جعلت الطرف الآخر يصر على مواقفه. ووصف آخرون مطالبة الحكومة السويدية بالتنديد بالصحيفة بأنها خطيرة وغير صحيحة، وأنها حولت الصحفي بوستروم إلى "قديس معذب في بلاده"، بدلاً من أن تضعه في قفص الاتهام. وظهرت أصوات تعترف بأن "اللاسامية" تتغذى في السنوات الأخيرة من الانتقادات الموجهة للأعمال الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية، ومن التأثير المتزايد للمسلمين في غرب أوروبا.

وذهب بعض المحللين إلى أن الحكومة في الدولة التي تحترم حرية الصحافة ليست مسؤولة عما تكتبه الصحف، وأن مطالبة السويد بشجب المقال تدل على أن ليبرمان لا يزال يفكر وفق "مفاهيم سوفييتية"، وأن مقارنته بين رفض السويد إدانة المقال وصمتها المزعوم في فترة "الكارثة"، لن تخدم السياسة الخارجية لإسرائيل. وكان من الدروس التي استخلصتها الأوساط الإسرائيلية "المعتدلة"؛ ضرورة تلافي الخلط بين الحملة الدعائية الفعّالة والدبلوماسية العامة، والتعامل بخشونة، لأن الثور الذي يُضرب به المثل، بدخوله متجر الخزف الصيني، لا يترك وراءه الكثير من الأشياء السليمة.

في مواجهة الردود والقراءات الإسرائيلية للأزمة مع السويد، يجدر بالإعلام العربي على الساحة الدولية عدم الوقوف على الحياد، وأقل ما يمكن أن يوضحه في هذه الحالة ومثيلاتها؛ التفريق بين "معاداة الصهيونية" و"انتقاد الممارسات الإسرائيلية" و"معاداة السامية"، مع تشجيع المواقف المناهضة للاحتلال الإسرائيلي، ورفض الانسياق وراء الموضوعات الإشكالية التي ربما تخدم الدعاية الصهيونية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات