تغيير القيادة العسكرية في أفغانستان هل يكفي وحده لكسب الحرب؟

  • 26 يوليو 2010

يعدّ قرار تغيير القيادات العسكرية في أثناء سير العمليات الحربية من أدق القرارات الاستراتيجية وأصعبها التي تتخذها القيادة السياسية في أي بلد، ذلك أن مثل هذه القرارات قد تثير نوعاً من الارتباك والخلل في عمل القوات العسكرية على أرض الميدان، خاصة إذا ارتبط تغيير القيادات بتغييرات عميقة وكبيرة في الاستراتيجيات المتبعة، كما أنها تكشف عن أوجه تقصير في الأداء قد تنعكس بشكل أو بآخر على معنويات القوات في الميدان. وتخضع عملية تغيير القيادة العسكرية بشكل عام لعاملين رئيسيين؛ الأول: هو طبيعة العلاقات بين القيادات العسكرية والسياسية ودرجة الاختلاف والاتفاق في ما بينها على خطط إدارة الحرب. والثاني: هو حالة ميدان القتال ونتائج ما يدور في مسرح العمليات من هزائم أو انتصارات، ومدى قدرة القيادة الميدانية على تحقيق إنجاز ملموس عبر تنفيذ الاستراتيجية المخططة والمرسومة لسير العمليات.

وبالنظر إلى حالة إقالة الجنرال ستانلي ماكريستال، قائد القوات الأمريكية وقوات "حلف شمال الأطلسي" (ناتو) في أفغانستان في نهاية يونيو/حزيران الماضي (2010)، نجد أن كلا العاملين كانا قائمين. فمن ناحية أولى، كشفت ملاحظات الجنرال ماكريستال التي نشرها في مجلة "رولينج ستون"، واستخفّ فيها بالرئيس الأمريكي ونائبه وزعماء مدنيين كبار آخرين، عن وجود انقسامات داخل الإدارة الأمريكية بشأن خطط إدارة الحرب في أفغانستان، تهدد، في حال استمرارها، بتقويض جهود الحرب في هذا البلد. لذا كان الرئيس أوباما سريعاً وحازماً في اتخاذ قرار الإقالة، حتى لا يبدو أمام منافسيه من الجمهوريين أنه ضعيف وفاقد السيطرة على الأمور، خاصة في ظل اقتراب موعد التجديد النصفي لانتخابات الكونجرس، مبرراً هذا القرار بأن سلوك الجنرال ماكريستال "لا يفي بالمستوى الذي يجب أن يعطيه جنرال يتولى القيادة"، وواصفاً الانتقادات التي نشرها بأنها "تقوّض القيادة المدنية للجيش والثقة اللازمة لفريقنا للعمل معاً لتحقيق أهدافنا في أفغانستان".

ومن ناحية ثانية، أسهمت التطورات الميدانية داخل أفغانستان في دفع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ قرار إقالة الجنرال ماكريستال من دون تردّد كبير. فالأوضاع الأمنية في أفغانستان تتجه من سيّئ إلى أسوأ، وخسائر القوات الأمريكية وقوات التحالف تتزايد باستمرار؛ حيث بلغ عدد قتلى قوات التحالف خلال شهر يونيو/حزيران الماضي فقط أكثر من 100 شخص من بينهم 60 أمريكياً، في الوقت الذي تنامت فيه بشكل ملحوظ قوة حركة "طالبان"، الأمر الذي جعل كثيراً من المحللين، بل والمسؤولين الأمريكيين أنفسهم، يصلون إلى قناعة باستحالة تحقيق النصر، برغم أن الاستراتيجية الأمريكية في أفغانستان تكلّف الخزانة الأمريكية 100 مليار دولار سنوياً، ومن هؤلاء، ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، الذي اعتبر في مقالة نشرها في مجلة (نيوزويك) يوم 18 يوليو/تموز الحالي أن النصر في أفغانستان ما زال بعيداً، وأن من الأفضل أن تخفض الولايات المتحدة سقف طموحاتها المرجوّة من هذه المهمة.

وقد تعرّض ماكريستال نفسه لانتقادات مباشرة تحمّله جانباً من مسؤولية الفشل في أفغانستان؛ حيث رأى بعض المراقبين داخل الولايات المتحدة أن ماكريستال كان يفتقد عنصراً مهماً من عناصر القيادة المطلوبة في أفغانستان وهو الحكمة والدهاء السياسيين، في حين أن المهمة في أفغانستان سياسية أكثر من كونها عسكرية؛ حيث إنها تقوم على مكافحة التمرد وتهيئة الأوضاع السياسية تمهيداً لسحب القوات الأمريكية من أفغانستان. ولذا يرى هؤلاء أن أوباما قد يكون قد وجد الفرصة في تصريحات ماكريستال لإقالته وتعيين قيادة جديدة تستطيع إدارة الحرب في أفغانستان بشكل أفضل.

ولا تعد إقالة القائد العسكري الأعلى في أفغانستان الأولى من نوعها. ففي العام الماضي، أقال باراك أوباما ووزير دفاعه، روبرت جيتس، الجنرال ديفيد ماكيرنان؛ لأنهما اعتقدا أنه لا يتمتع بما يكفي من القدرة على الابتكار، والرغبة في تبني استراتيجيات ثبت نجاحها في العراق، ووقع الاختيار على ماكريستال الذي رأت الإدارة الأمريكية حينذاك أنه الأقدر على إدارة الحرب. غير أن هذا الأخير لم يستطع إيقاف الخسائر المستمرة في صفوف القوات الأمريكية أو الحد من نفوذ حركة "طالبان" المتصاعد، بل إنه حذّر في سبتمبر/أيلول الماضي (2009) من أن قوات التحالف قد تخسر الحرب في أفغانستان. وبحسب بعض المصادر الإعلامية الغربية، فقد قدم ماكريستال قبل أيام من إقالته لوزراء الدفاع في دول حلف شمال الأطلسي حصيلة سلبية عن الوضع في أفغانستان؛ حيث أشار إلى ضرورة عدم انتظار أي تقدم في الأشهر الستة المقبلة، مشككاً في إمكان بدء سحب القوات الأمريكية في يوليو/تموز (2011)، بناء على رغبة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، الأمر الذي مثل عاملاً إضافياً مشجعاً للرئيس أوباما لاتخاذ قرار إقالة القائد الأمريكي.

ومثلما جاءت إقالة ماكريستال مثيرة للجدل، جاء تعيين الجنرال ديفيد بيتريوس، رئيس القيادة المركزية الأمريكية، خلفاً له في هذا المنصب، مثيراً أيضاً للجدل. فقد رأى قطاع واسع من المراقبين داخل الولايات المتحدة والدول الغربية أن بيتريوس قد يكون هو المنقذ لجهود الحرب في أفغانستان، استناداً إلى تجربته الناجحة في العراق وما يتمتع به من مهارة في مكافحة التمرد. فهو من كتب دليل الجيش لمكافحة التمرد، كما قام بتنفيذ هذا الدليل بنجاح في العراق، وساعد على وضع الاستراتيجية الحالية في أفغانستان، كما أنه يمتلك مهارات التواصل وأسلوب القيادة التعاونية التي افتقر إليها ماكريستال بوضوح.

وبرغم أن أوباما حرص على تأكيد أن ما حدث من تغيير في القيادة العسكرية في أفغانستان هو تغيير في الأشخاص وليس في الاستراتيجية المتبعة، فإن هناك من رأى أن اختيار بيتريوس تحديداً عكس رغبة الإدارة الأمريكية في تغيير الاستراتيجية المتبعة هناك، ولا سيما مع اتجاه الإدارة نحو إجراء حوار مع حركة "طالبان" ورغبتها في تطبيق نموذج "الصحوات" العراقية في أفغانستان، تمهيداً لتحقيق هدف الانسحاب الذي حدّده أوباما في يوليو/تموز (2011). وقد أشارت صحيفة "ذا إندبندنت أون صنداي" البريطانية إلى هذا الأمر في افتتاحيتها الرئيسية يوم 27 يونيو/حزيران الماضي (2010)، قائلة: "إن استبدال الجنرال ديفيد بيتريوس بماكريستال ما هو سوى بداية النهاية للوجود العسكري لحلفاء الأطلسي في أفغانستان برغم أن هذه الحقيقة لن يُعترف بها قبل مرور بعض الوقت".

ومع الاعتراف بحقيقة نجاح تجربته في العراق، فإن الاستناد إلى ذلك للجزم بأن قيادة بيتريوس للحرب في أفغانستان ستحقق النجاح المطلوب هو أمر مبالغ فيه. فظروف الحرب في العراق تختلف عن ظروف الحرب في أفغانستان؛ حيث الطبيعة الجبلية الوعرة، والخبرة الطويلة للمقاتلين الأفغان في شنّ حروب العصابات الخاطفة، التي تستنزف قدرات قوات التحالف المادية والبشرية. كما أنه لا توجد أي مؤشرات تدعو إلى القول إن بيتريوس سيحرز نتائج أفضل من سلفه في أفغانستان، ذلك لأن المشكلة الحقيقية لا تكمن في كفاءة القيادة بقدر ما تكمن في الظروف المحيطة بساحة الحرب والعمليات الميدانية. صحيح أن القيادة العسكرية السيئة قد تعوق جهود الحرب، ولكنْ، صحيح أيضاً أن القيادة الجيدة وحدها لا تكفي لكسب الحرب. وقد كان بيتريوس صريحاً عندما وضع حدوداً للآمال المعقودة عليه، ولا سيما في ما يتعلق بهدف التزام الجدول الزمني لسحب القوات في عام (2011)؛ حيث أوضح خلال شهادته أمام مجلسي "النواب" و"الشيوخ" للخدمات العسكرية أنه من "الضروري النظر إلى يوليو 2011 على أنه تاريخ بدء العملية حسب الظروف على أرض الواقع، وليس على أنه تاريخ بدء خروج الولايات المتحدة".

وبشكل عام يؤكد الخبراء العسكريون أن هناك عوامل يجب توافرها من أجل تحقيق النصر في أفغانستان؛ أولها، وضوح الأهداف المتوخّاة من الحرب وواقعيتها. وثانيها: الفهم الجيد لطبيعة الخصم ومسرح العمليات. وثالثها، هو الإسراع في جهود إعداد القوى الأمنية والعسكرية الأفغانية وتدريبها بأسلوب مغاير عما سبق. أما العامل الرابع والأخير فيتمثل في العمل على تكامل الجهود السياسية والاقتصادية والأمنية داخل أفغانستان، مع عدم الإفراط في استخدام القوة، ولا سيما في أوساط المدنيين؛ لأن ذلك يصبّ في مصلحة القوى المتطرفة. ويرى هؤلاء الخبراء أن نجاح بيتريوس في مهمته الجديدة يتطلب اتخاذ إجراءات ضروريةـ يأتي في مقدمتها: تقوية المؤسسات الأمنية الأفغانية وإعدادها بشكل جيد لمواجهة أي تحديات أمنية جديدة، والعمل على إيجاد شريك أفغاني قادر على تحمّل المسؤولية، والعمل بالتعاون مع القوى الإقليمية (دول الجوار الجغرافي) للوصول إلى حلول توافقية تسمح بعودة الاستقرار إلى أفغانستان، على أن يتزامن كل ذلك مع الجهود السياسية الرامية إلى إدماج العناصر المعتدلة من "طالبان" داخل مؤسسات الحكم المختلفة.

إن كل هذه العوامل مهمة لتحقيق الهدف السياسي المنشود في نهاية عام الحسم، وهو تحقيق النصر ثم الانسحاب، وأي نتيجة أخرى ستمثّل بلا شك مأزقاً كبيراً لإدارة أوباما، وقد يقود في النهاية إلى سقوط الديمقراطيين في انتخابات الكونجرس والانتخابات الرئاسية المقبلة.

Share