تغير موازين القوى الاقتصادية.. العالم يتجه شرقاً

د. أحمد محمد المناوي: تغير موازين القوى الاقتصادية.. العالم يتجه شرقاً

  • 4 فبراير 2007

إن أهم ما يمكن الخروج به من تداولات المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي أنهى أعماله في منتجع "دافوس" السويسري، مؤخراً، هو أن هناك تحولاً استراتيجياً مهماً في موازين القوى العالمية، وأن قواعد اللعبة الاقتصادية لم تعد حصراً بيد الشركاء التقليديين، بل انضم إليهم لاعبون جدد في مقدمتهم الهند والصين، بالإضافة إلى اليابان التي يعد اقتصادها حالياً في أفضل حالاته منذ أوائل التسعينيات.

 انتقال موازين القوة الاقتصادية من الغرب إلى الشرق، وإن كانت ملامحه قد ظهرت قبل فترة من الزمن، إلا أنه بدأ يحُث الخُطى بشكل درامي خلال السنوات الأخيرة، ورغم الوعي الغربي المبكر بقوة الصين وآسيا عموماً، فإن هذا الوعي لم يُـترجـم إلى أي نوع من الاستعداد من جانب الدول الغربية، وهي ترى أنها تفقد تدريجياً نفوذها في قيادة عجلة الاقتصاد العالمي، في ظل اندفاع آسيوي قوي فشلت معه جميع السياسات الحمائية التي تمارسها الدول الغربية حالياً، بعد أن أدركت هذه الدول مؤخراً أن مزيداً من التقدم في مضمار تحرير التجارة والعولمة الاقتصادية وديناميكية اقتصاد السوق، وهي المفاهيم التي سنها الغرب نفسه وروج لها، يعني مزيداً من الزخم في تبديل موازين الاقتصاد العالمي. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة في الأسواق العالمية، والضغوط التضخمية في الدول الكبرى، وانخفاض قيمة العملة الأمريكية، وارتفاع مستوى عجز الحسابات الجارية في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية مقابل نمو قوي في فوائض الحسابات الجارية في بقية دول العالم، لعبت جميعها دوراً مهماً في معادلة التحول العالمي، وهي معادلة يصعب تغيير أو تبديل مكوناتها في ظل العديد من الاعتبارات الاقتصادية والسياسية المعقدة.

 إن نجم هذه التحولات بلا منازع هو الصين التي حقق اقتصادها معدلات نمو قاربت 11% العام الماضي، وهي الأكبر منذ منتصف التسعينيات، بينما بلغ فائضها التجاري نحو 177 مليار دولار. وهي تتحرك بهدوء لبسط نفوذها على رقعة الاقتصاد العالمي، مستغلة قوتها الطاغية في التعاملات التجارية، كما أصبحت تمثل قبلة التصنيع دولياً، وسط مؤشرات على أنها ستسيطر على أكبر احتياطي نقدي أجنبي وتصبح أكبر منتج للسلع في العالم خلال عشر سنوات، بعد أن ظلت المهارات والقدرات الصناعية الصينية توفر مكاسب عديدة لسكان الدول الصناعية نفسها، من خلال تقديم طائفة متنوعة من السلع والمنتجات البديلة بأسعار زهيدة، ما ألحق أضراراً جسيمة بهذه الدول، بعد أن بلغ مستوى النمو السنوي في الواردات الصينية حداً أكبر من ذلك الذي تشهده جميع الدول الأوروبية مجتمعة؛ حيث قارب حجم الفائض التجاري الصيني مع الاتحاد الأوروبي 150 مليار دولار العام الماضي، بينما بلغ العجز في الميزان التجاري للولايات المتحدة مع الصين 202 مليار دولار.

 وخلال العام الماضي تجاوزت الصين بريطانيا لتحتل المرتبة الرابعة في قائمة أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة واليابان وألمانيا. وبحلول نهاية العقد الحالي، وفي حالة استمرار الاقتصاد الصيني بمعدلات نموه الحالية، فإن الناتج المحلي للصين سيرتفع إلى3.5 تريليون دولار، لتصعد البلاد إلى المرتبة الثالثة في قائمة أكبر اقتصادات العالم، ولتحتل موقعاً قريباً من اليابان، وثمة توقعات بأن تصبح الصين القوة الاقتصادية الأولى في العالم بفارق كبير عن ألمانيا واليابان والولايات المتحدة قبل نهاية الربع الأول من القرن الحالي.

 أما بالنسبة للهند فلم تشهد نمواً اقتصادياً فيما مضى كالنمو الذي تشهده الآن، والذي يبشر بظهور قوة اقتصادية عالمية جديدة، بعد أن سجّلت معدلات نمو متواصلة لم تقل عن 5% منذ مطلع تسعينيات القرن المنصرم، بينما ارتفعت هذه النسبة إلى أكثر من 7% خلال الأعوام الخمسة الماضية. ويعني استمرار الوضع على هذا المنوال أن حجم الناتج المحلي الإجمالي في الهند سيتجاوز حجم الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا قبل عام 2025، كما يتوقع أن تصبح الهند بحلول عام 2035 ثالث أكبر اقتصاد في العام بعد الولايات المتحدة والصين؛ حيث تمتلك الهند اليوم العديد من المزايا، لاسيما إذا ما قورنت بالصين، أهمها المجتمع الديمقراطي المنفتح، والكم الهائل من العمالة الرخيصة والناطقة باللغة الإنجليزية.  فالهند، التي يتجاوز عدد سكانها اليوم مليار نسمة، أي ما يعادل ضعف مجموع سكان الدول الأوربية مجتمعة، وثلاثة أضعاف سكان الولايات المتحدة، تخرج سنوياً 200 ألف مهندس و300 ألف متخصص في الدراسات العليا و9 آلاف طبيب، إضافة إلى نحو مليون من حملة الشهادات الجامعية في مختلف التخصصات الأخرى، من نحو 380 جامعة وأكثر من 1500 معهد للبحوث، كما أن الهند لديها اليوم ما يزيد على 650 ألف شخص متدرب وخبير يعملون في قطاع تقنية المعلومات، ما جعل من الهند "قوة عظمى" في مجال البرمجيات، وأصبحت قبلة لكل شركة تكنولوجية متطورة تبحث عن خبرات بشرية مبدعة. إضافة إلى أن الشركات الهندية التي ظلت على مدى العقود الماضية مكتفية بأسواقها المحلية باتت مؤخراً تظهر نزعة كبيرة إلى التطلع خارج حدود البلاد ضمن موجة متزايدة من الإنفاق على المشاريع الأجنبية.

 إن موافقة صندوق النقد الدولي نهاية العام الماضي على زيادة حقوق التصويت لبعض الدول الآسيوية ذات الاقتصاديات الناشئة لتناسب الثقل الذي تمثله هذه الدول في الاقتصاد العالمي، في أكبر تحول من نوعه في سياسات الصندوق منذ تأسيسه قبل نحو ستين عاماً، يعد اعترافاً ضمنياً بأن موازين القوة الاقتصادية في العالم تشهد تحولاً كبيراً لصالح الاقتصاديات الآسيوية. هذا التحول تؤكده شواهد أخرى عديدة، منها أن القارة الآسيوية التي تضم اليوم ما يقرب من 60% من إجمالي التعداد السكاني العالمي أصبحت تسهم اليوم بأكثر من 35% من الإنتاج العالمي، وبما يزيد على 50% من النمو الاقتصادي خلال السنوات الخمسة الماضية.

 إن قصة النجاح الآسيوي لم تتحقق بسبب الموقع الجغرافي الاستراتيجي أو وفرة الموارد الطبيعية، ولكن بسبب استثمار رؤوس الأموال المادية والبشرية، ثم الاهتمام الكبير مؤخراً بالجودة والكفاءة والنوعية، وهي الأسس التي انطلق منها النجاح تلو النجاح في الدول الآسيوية، بل إن الازدهار الذي تشهده الدول الآسيوية حالياً أصبح يعتبر مستداماً ويمكن أن يتلقى المزيد من الترسيخ والتعزيز إذا ما أقدمت الدول الآسيوية على نقل هذا النجاح العالمي الذي حققته في الإنتاجية الصناعية إلى قطاعاتها الخدمية التي ظلت تعاني من النقص في الكفاءة والجودة إذا ما قورنت بما تشهده من تطور وتقدم في الدول الغربية المتقدمة.

 وبفضل هذا الاندفاع الآسيوي القوي، الذي تقوده الصين واليابان والهند، ظل الاقتصادي العالمي يسير طيلة السنوات الخمسة الماضية بأقوى معدلات نمو سنوية له منذ ثلاثة عقود، إلا أن مصادر هذا النمو تشير إلى انحسار نسبي كبير في نفوذ الولايات المتحدة والدول الأوروبية عموما في قيادة عجلة هذا الاقتصاد. فالاندفاع الآسيوي الذي أجبر الدول الغربية عموماً على أن تميل بتجارتها واستثماراتها نحو الشرق، لا يمثل تحولاً في مصالح هذه الدول بقدر ما يمثل انحساراً في نفوذها أيضاً لصالح المد الآسيوي الذي يتسع ويتعمق باستمرار، فيما تعكس العلاقات الآسيوية المتنامية مع الدول الإفريقية واللاتينية والعربية، المتسارعة بوتيرة عالية وفي أكثر من اتجاه؛ حيث تضاعف حجم التبادل التجاري بين الطرفين بأكثر من عشر مرات خلال السنوات العشرة الماضية، بداية حقيقية لتغير كبير في أنماط العلاقات الاقتصادية العالمية، وربما الروابط الاستراتيجية والسياسية أيضاً، والتي ظلت باستمرار تدور حول فلك العلاقة ما بين الشمال والجنوب، وهي العلاقة التي بدأت تتحلل تدريجياً، على الأقل في طابعها الاقتصادي. كما أن طبيعية العلاقات الاقتصادية الجديدة ما بين الجنوب والجنوب تتمحور جميعها حول الموارد الطبيعية التي تشكل الساحة الرئيسية للاستثمارات الآسيوية في الدول الإفريقية واللاتينية، والعربية في مرحلة لاحقة، كما تمثل هذه الموارد، خاصة النفط، القدر الأكبر من صادرات الجنوب إلى الدول الآسيوية، التي أصبحت قبلة التصنيع دولياً، بعد أن اهتمت مؤخراً بجودة وكفاءة ونوعية منتجاتها الصناعية. كل ذلك يؤسس لنظام اقتصادي عالمي جديد بدأ يتشكل بملامح شرقية، تتغير من خلاله الكثير من الأوزان والاتجاهات في اللعبة الاقتصادية الجديدة، التي لا يمكن لطرف أن يبدل في قوانينها أو مكوناتها، ولكنها في جميع الحالات ليست في مصلحة الاقتصادات الغربية، التي تفقد نفوذها تدريجياً.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات