تغير محتمل في حركة الإرهاب

د. وحيد عبدالمجيد: تغير محتمل في حركة الإرهاب

  • 28 نوفمبر 2004

المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن (IISS) هو أحد أهم مراكز البحث والتفكير في عالمنا. وتقريره السنوي، الذي يركـّـز فيه على التوازن الاستراتيجي في العالم، مشهود له بالموضوعية الكاملة والصدقية إلى درجة كبيرة. وكثيراً ما تثير التحليلات وتقديرات المواقف الواردة في هذا التقرير الجدل اتفاقاً معها أو اختلافاً عليها.

وفي تقريره الجديد، الذي صدر أخيراً، تحليل عميق للأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة وحلفاؤها منذ إعلان انتهاء العمليات الرئيسة في الحرب على العراق، والتداعيات السلبية المستمرة لتلك الحرب حتى الآن. وفي هذا التحليل، الذي اتسم بقدر كبير من الدقة، دروس مهمة لمن يريد أن يعتبر.

غير أن الأمر يقتضي وقفة ضرورية مع التحليل الخاص بازدياد خطر الإرهاب بعد حرب العراق. ونقطة الخلاف الرئيسة مع ما أورده التقرير تتعلق باتجاهات الفعل الإرهابي في المرحلة القادمة. فقد رأى التقرير أن الولايات المتحدة ما زالت هي الهدف الأول لإرهاب تنظيم "القاعدة" وملحقاته، ولكنه توقع أن تكون أوروبا أكثر عرضة للهجمات الإرهابية لضعف إجراءات الأمن فيها وقربها من منطقة الشرق الأوسط.

والخلاف هنا هو أبعد من الاتجاهات المتوقعة للهجمات الإرهابية في الفترة المقبلة. فمن الصعب بناء أي تصوّر لحركة الإرهاب بدون تحديد هدفه الأول. وما يتوقعه (IISS) ينطوي على افتراض أن هذا الهدف هو الغرب الأمريكي والأوروبي. ويستند هذا التحديد إلى الخطاب السياسي لقادة "القاعدة" وملحقاتها، وإلى نظرية "الفسطاطين" التي هي صياغة جديدة ولكن مسطحة لفكرة "دار الحرب" و"دار السلام". غير أن هذه "النظرية" عند أسامة بن لادن وأشباهه لا تحصر "فسطاط الكفر" في الغرب فقط، بل تضم إليه كل حكومات الدول العربية المسلمة تقريباً، وغالبية شعوب هذه الدول.

ولذلك لا يفيد خطاب "القاعدة" في تحديد من هو الهدف الرئيس للإرهاب، وهل هو "العدو القريب" الذي كان الهدف الوحيد للعنف الأصولي حتى إعلان "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين" في عام 1998، أم "العدو البعيد" الذي قرر أمراء الإرهاب استهدافه منذ ذلك الوقت؟

وإذا كان الأمر كذلك، يصح البحث عن هذا الهدف في الأصول الفكرية للعنف وفي المنطق البسيط أو طبائع الأمور. فالهدف كان، ومازال، هو إقامة حكم أصولي متطرف في بلاد المسلمين وليس في بلاد غيرهم، وبالتالي إسقاط نظم الحكم الشرعية القائمة في هذه البلاد بدعوى أنها لا تقيم الحكم الذي ينسجم مع أهواء المتطرفين.

هذا هو الهدف الاستراتيجي الثابت للعنف أو الإرهاب الأصولي، وما عداه يدخل في نطاق الأهداف التكتيكية. ولم يتحول الإرهاب إلى التركيز على أحد هذه الأهداف التكيتيكية، وهو ضرب "العدو البعيد" في الغرب، إلا بعد أن انتهت عملياته ضد "العدو القريب" في بلادنا العربية والمسلمة إلى فشل ذريع، وتعرّض إلى ضربات أمنية قاصمة. فكان فشله في الاتجاه الرئيس لضرباته دافعاً للتحول بشكل مؤقت صوب الاتجاه التكتيكي الملائم في المرحلة الراهنة، ممثلاً في القوة العظمى التي يحملـّـها كثير من العرب والمسلمين مسؤولية كبرى عن مأساة الشعب الفلسطيني.

فلم يكن هذا التحول هرباً فقط من مواجهة في الداخل خسرها الإرهاب، ولكنه كان سعياً في الوقت نفسه إلى إعادة رسم صورته في البلاد التي تمثل هدفه الرئيس. فقد وقفت الشعوب في هذه البلاد مع الحكومات صفاً واحداً ضد الإرهاب. وصار الإرهابيون محتقرين منبوذين فضلاً عن كونهم مرفوضين. فكانت خسارتهم معنوية أيضاً، وليست فقط عسكرية وسياسية.

ولكنهم أدركوا أنه يسهل تغيير هذه الصورة إذا تحولوا إلى ضرب الولايات المتحدة سعياً إلى تملق مشاعر الرأي العام في البلاد العربية والمسلمة، واستغلال حال الغضب تجاه السياسة الأمريكية في هذه البلاد.

وقد حقق الإرهاب في ذلك نجاحاً سريعاً، خصوصاً أن هجمات سبتمبر/أيلول 2001 تواكبت مع تصاعد القمع الإسرائيلي للشعب الفلسطيني. وفي عصر الاتصالات، حيث يشاهد الناس صوراً حية لهذا القمع كل يوم، تسهل استثارة مشاعرهم. ولذلك لم يكن صعباً على الإرهاب أن يجد مبرراً له لدى قطاعات في الرأي العام في البلاد العربية والمسلمة.

ولذلك أخذ أنصار الإرهاب يميلون إلى التركيز على "العدو البعيد" حتى عندما يصبح قريباً كما في العراق. ولذلك وجدنا أحد الشيوخ الذين نشأ الزرقاوي على أيديهم، وهو الأردني أبومحمد المقدسي ينصح "تلميذه النجيب"، في رسالة عبر "الإنترنت"، بأن يكف عن استهداف الشيعة عندما بدأ في التصعيد ضدهم في نهاية العام الماضي. كما نصحه بأن يحصر "جهاده" بالأمريكيين والبريطانيين والمتعاونين معهم، وألا يشتت المعركة بضرب ما أسماه "الضلال من المذاهب الإسلامية الأخرى".

ويعني ذلك أن الإرهاب يحقق صدى في الداخل، أي في العالم العربي والإسلامي، عندما يضرب الأمريكيين. وهذا الصدى يشجع الإرهاب على رفع سقف طموحه. فبعد أن وجد قبولاً لضرباته ضد "العدو البعيد" وتبريراً لها، صار يطمح إلى الحصول على تأييد كامل وليس مجرد قبول، وصولاً إلى تحقيق تعبئة معنوية في مصلحته في مرحلة تالية. وبعد الحرب على العراق، والأخطاء الكبيرة التي حدثت ويدفع الشعب العراقي ثمنها، يزداد طموح الإرهاب ويتجاوز كل سقف عندما يصل إلى إمكان إضعاف حكومات في بعض البلاد العربية والمسلمة وتوطئة لإسقاطها واغتصاب السلطة في هذه البلاد.

ويجد الإرهاب سياسيين وإعلاميين في هذه البلاد يساعدونه ضمنياً ومن دون قصد عندما يلحون على أن حكوماتهم عاجزة عن التصدي لأعداء الأمة وحماية الإسلام والمسلمين من الاعتداءات الإسرائيلية والأمريكية.

وهكذا فإذا كان الإرهاب يضرب في الخارج، فعينه على الداخل حيث هدفه الرئيس. وما الهجمات في أمريكا وأوروبا إلا وسيلة لتحقيق هذا الهدف، وهو القفز على السلطة. فالإرهاب لا يضرب في أمريكا وأوروبا لأنه يريد هزيمة الغرب، وإنما لأنه يسعى إلى إقامة جدار حديدي بينه وبين العالم الإسلامي وإشعال صراع ديني وليس فقط ثقافياً أو حضارياً.

وفي هذا الصراع، يكون أسامة بن لادن والظواهري والزرقاوي وأشباههم هم المؤهلين لقيادة العالم الإسلامي وليس قادة الدول العربية، الذين هم الهدف الأول للإرهاب وليس بوش وبلير وبرلسكوني.

ولكن ألا يقود ذلك، مثلاً، إلى توقع أن يسعى الإرهاب إلى مواصلة الضرب في الخارج لتحقيق أهداف في الداخل، وبالتالي يكون الخلاف مع تقرير (IISS) هو على الهدف النهائي وليس على اتجاه الهجمات الإرهابية في الفترة المقبلة؟

الأكيد أن الإرهاب يخطط لضربات جديدة في أمريكا وأوروبا. ولكن هجماته لن تقتصر على هذا الاتجاه، إذ سيعود تدريجياً في الفترة القادمة إلى التركيز في الداخل كلما مكنته قواعد الارتكاز الجديدة في العراق من ذلك.

وهنا تبرز ملاحظة أن الإرهاب اتجه للتركيز في الخارج قبل حرب العراق، التي خلقت وضعاً يتيح له إمكانات أكبر للضرب في بلاد عربية ومسلمة. وبغض النظر عن مدى دقة النتائج التي توصّل إليها المحققون في قضية تفجيرات سيناء التي حدثت في بداية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وانتهوا إلى استبعاد تورط " القاعدة" فيها، فربما يجد أمراء الإرهاب في كثير من ردود الفعل عليها ما يشجعهم على نقل عملياتهم إلى المنطقة.

والأرجح أنهم قرؤوا بعض ردود الفعل هذه بالطريقة نفسها التي تلقوا بها أصداء هجمات سبتمبر/أيلول 2001. فالقبول الذي حظيت به هجمات سيناء لدى قطاعات من الرأي العام والمثقفين في بلادنا العربية والمسلمة، بدعوى أنها استهدفت إسرائيليين رداً على إجرام شارون، يمكن أن يشجع أمراء الإرهاب على استعجال نقل نقطة التركيز في خططهم إلى المنطقة، وخصوصاً مصر والأردن، حيث يسهل الزعم بأنهم يستهدفون إسرائيليين. وقد يكون هذا هو خيارهم بعد الضربات التي تعرض لها أتباعهم في السعودية.

وليس معروفاً مدى إدراك حكومات دول المنطقة لهذا التطور المرجح في تكتيكات الإرهاب. فالخطاب المعلن لا يتيح الوصول إلى إجابة، كما لا يظهر في معظمه إدراك تلك الحكومات لأثر حرب العراق في اتجاهات حركة الإرهاب.

فكثير من "حكومات" العالم العربي والإسلامي تثق في التقديرات الأوروبية والأمريكية، وخصوصاً عندما تصدر عن معهد له مكانة وسمعة (IISS).

وليس التقرير الصادر عن هذا المعهد هو التقرير الوحيد الذي يتوقع استمرار الغرب هدفاً للهجمات الإرهابية. ولذلك فربما يكون أحد أخطر ما تواجهه المنطقة هو ضعف إدراك التطور المتوقع في اتجاه حركة الإرهاب، وخصوصاً في البلاد المرشحة لأن تكون هدفاً لهجماته في الفترة المقبلة.

Share