تعزيز النهضة الإنسانية

  • 3 فبراير 2016

لا ريب في أن تنمية عقل الإنسان ووجدانه، وتحديد نمط شخصيته ووعيه، ينطلقان من علاقته بالقراءة والكتاب، بالإضافة إلى ما لذلك من أهمية في تقييم مدى إسهامه في مجتمعه بشكل إيجابي وخدمته للجنس البشري بوجه عام، كما أن قياس مدى وعي الشعوب وإسهام دولها في الحضارة البشرية ينبني على تلك الأسس من خلال تقديم مفكرين ومبدعين وعلماء إلى العالم وتحقيق التنمية والتقدم.

وإذا نظرنا اليوم إلى الكثير من دول العالم من الزاوية التي تسهم في الاختراعات العلمية وتتسم بسرعة النمو وتقدم الاقتصاد والتقدم في مجال الابتكار والبحث العلمي والإبداع الفكري، لأدركنا أنها الدول نفسها التي تستثمر في مجال نشر الكتب وترجمتها وتسجل مكتباتها وإصداراتها إقبالاً كبيراً من قِبَل المواطنين، وهي أمور لم تكن غائبة أبداً عن تفكير قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة التي استطاعت بجدارة أن تحافظ على مكانتها لسنوات عدة في صدارة دول العالم في مجالات البحث العلمي ونمو الاقتصاد ودخول عالم الابتكار ووضع الخطط البديلة للتعامل بإيجابية مع التحولات التي يشهدها العالم، ولعل خروج دولة الإمارات العربية المتحدة في الوقت الراهن من الاعتماد على موارد النفط وخلقها موارد اقتصادية بديلة في وقت قياسي، يعدّ برهاناً ساطعاً على رجاحة التفكير والتعامل بحرفية مع كل التحولات.

لقد أراد حكام دولة الإمارات العربية المتحدة ألا يكون دورهم مختصراً على تسيير الموارد المتاحة وتصريف الأعمال فقط، بل حرصوا على أن تكون الإمارات كغيرها من دول العالم المتقدم، دولة تؤسس للتقدم المعرفي وتشجع على الإبداع بتوفير شروطه وتستحث التنمية وتدفع الإنسان إلى العطاء.

اليوم وبعد أن أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة مثالاً للدول التي خرجت من إطارها الضيق إلى العالم الأرحب، ارتأى قادتها أن تسير على نهج التقدم بقوة المعرفة، إدراكاً منهم أن امتلاك ناصية العلم بات المعيار الأساسي للتنافس، وأن من يمتلك قوة المعرفة هو من يمتلك قوة الاقتصاد وقوة السلاح، وقوة التأثير بوجه عام.

من هنا تندرج خطوة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، بإطلاق المكتبة الأكبر عربياً لتنضم بذلك إلى قائمة أكبر المكتبات في العالم، مثل: مكتبة الكونجرس الأمريكي، والمكتبة الوطنية الصينية، والمكتبة الأكاديمية الروسية للعلوم، والمكتبة الوطنية الكندية، والمكتبة الوطنية الألمانية، والمكتبة البريطانية، وغيرها من المكتبات التي تضم ملايين الكتب في مختلف التخصصات.

إن المكتبة التي أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم افتتاحها فعلياً خلال عام 2017 المقبل، حظيت بتغطية مالية ضخمة وصلت إلى مليار درهم إماراتي، وستغطي مساحة تتجاوز المليون قدم مربعة، تتوزعها ثماني مكتبات متخصصة، أما المحتوى الإجمالي لتلك المكتبة فيبلغ أربعة ملايين ونصف المليون كتاب، تشمل: الكتاب الورقي والمطبوع والإلكتروني والمسموع، أما طاقتها الاستيعابية فيُتوقع أن تصل إلى 42 مليون مرتاد سنوياً، هذا بالإضافة إلى الأدوار الريادية الثقافية التي ستلعبها المكتبة، حيث من المتوقع أن تحتضن أكثر من 100 فعالية ثقافية ومعرفية خلال العام، كما سيتم اعتمادها كمعرض دائم للفنون، وستعمل المكتبة على طباعة وتوزيع 10 ملايين كتاب في العالم العربي خلال السنوات المقبلة، وترجمة 25 ألف عنوان، وستحتضن كذلك فعاليات توزيع عدد من الجوائز الوطنية.

إن الأدوار التي ستضطلع بها المكتبة الجديدة لا تجعل منها مكتبة عادية، بل إنها تمكّنها من لعب دور موازٍ لما تقوم به كل القطاعات الثقافية والعلمية بدولة الإمارات العربية المتحدة، في إطار التكامل والعمل الثقافي المشترك، بما يعكس رغبة القيادة الرشيدة في جعل الإمارات ورشة عمل إبداعي مستمر، وهي بذلك تعزز مفهوم التفاعل بين الإنسان ومحيطه الضيق وعالمه الأكثر اتساعاً.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات