تعزيز التعاون بين الإمارات والقوى الاقتصادية الصاعدة: الجدوى والمؤشرات

  • 16 أبريل 2012

أصبح من الواضح تماماً للمراقبين أن ثمّة إعادة هيكلة للتوازنات التقليدية التي تسود العلاقات الدولية بحيث تعكس موازين القوى الجديدة على الساحة العالمية. وبرز ذلك على وجه الخصوص في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وخلال مرحلة الأزمة المالية العالمية الأخيرة؛ إذ أدت الأولى إلى تغيّر موازين القوى السياسية والاستراتيجية كنتيجة منطقية لانهيار إحدى القوتين العظمتين، في حين كشفت الأزمة المالية العالمية عن حقيقة التغيّرات التي لحقت بموازين القوى الاقتصادية العالمية، ولاسيما لجهة تعاظم الدور الذي تؤديه القوى الاقتصادية الصاعدة، كالصين وكوريا الجنوبية والهند والبرازيل وغيرها، حيث قفزت الصين، على سبيل المثال، خلال سنوات قليلة من مرتبة القوة الاقتصادية الخامسة في العالم لتحتل في العالم الماضي المركز الثاني بعد أن أزاحت اليابان من هذا المركز، ومن قبلها ألمانيا وبريطانيا على التوالي.

في هذا السياق، عمدت العديد من بلدان العالم إلى إعادة رسم علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية بشكل يستجيب للتغيّرات الحادثة في موازين القوى الجديدة. ومن ضمن هذه البلدان دولة الإمارات العربية المتحدة، التي عملت في الفترة الأخيرة على تعزيز علاقاتها بالقوى الاقتصادية الصاعدة، ولاسيما الآسيوية منها، وفي مقدمتها الصين وكوريا الجنوبية.

وتُعتبر زيارة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكل من كوريا الجنوبية والصين في شهر مارس الماضي تتويجاً لهذا التوجه الإماراتي المهم، الذي يأخذ بعين الاعتبار مصالح دولة الإمارات وموقعها الجديد في العلاقات الدولية، ليس باعتبارها بلداً رئيسا منتجاً ومصدراً للنفط فحسب، وإنما أيضاً باعتبارها قوة اقتصادية صاعدة، وتؤدي دوراً مؤثراً في العديد من المجالات الاقتصادية، كالطاقة والتجارة والمواصلات والاتصالات الدولية.

لقد شكلت هذه الزيارة نقلة نوعية في علاقة الإمارات مع هاتين الدولتين الصاعدتين بقوة في العديد من المجالات الاقتصادية والتقنية، وذلك بالنظر إلى أهمية الاتفاقيات التي تم توقيعها خلال الزيارة، وما عكسته من تطور كبير في حجم العلاقات بين الجانبين؛ إذ من المعروف أن كوريا الجنوبية فازت قبل عامين بعقود لبناء أربع محطات للطاقة النووية في دولة الإمارات، وذلك بعد منافسة شرسة مع شركات غربية وآسيوية عريقة. كما تم ابتعاث العشرات من مواطني الدولة إلى كوريا الجنوبية لاكتساب الخبرات اللازمة في مجال تقنية الطاقة النووية، التي تؤهلهم لإدارة المنشآت النووية الإماراتية بكفاءات مواطنة مع بدء تشغيل هذه المنشآت في عام 2017 كما هو متوقع، ما يشير إلى الأهمية الكبيرة التي تعلقها الإمارات على علاقاتها المستقبلية مع هذه الدولة الصاعدة بقوة.

وفي السياق ذاته، شهدت علاقات الدولة الاقتصادية بكل من الهند والصين تطورات إيجابية متشابهة، حيث تمكنت هاتان الدولتان من إزاحة بلدان الاتحاد الأوروبي واليابان من رأس قائمة الشركاء التجاريين للدولة، لتحتل الهند المرتبة الأولى، تليها الصين في المرتبة الثانية، كأكبر الشركاء التجاريين لدولة الامارات في السنوات الأربع الماضية. فطبقاً للإحصاءات المعلنة، نما حجم التجارة الثنائية بين الإمارات والصين بنسبة 35% سنوياً خلال السنوات العشر الماضية، وبلغ حجم هذه التجارة نحو 32 مليار دولار في الأشهر الـ11 الأولى من عام 2011، مسجلاً زيادة قدرها 38.6% عن عام 2010، فيما بلغ حجم التبادل التجاري بين الإمارات والهند في عام 2010 نحو 48 مليار دولار.

ومع أن العلاقات مع بقية البلدان الصاعدة، كروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا تبدو أقل شأناً من العلاقات المتنامية مع البلدان الصاعدة في القارة الآسيوية، فإن ذلك لا ينفي حقيقة أن هناك اهتماماً متزايداً من الجانبين (الإمارات وهذه الدول) لتعزيز هذه العلاقات، ولاسيما في المجالات المصرفية والمالية والصناعات الدفاعية والتجارة والسياحة.

وعلاوة على الهدف الاستراتيجي لهذا التوجه الإماراتي نحو تعزيز التعاون مع القوى الاقتصادية الصاعدة، والمتمثل في تنويع علاقات الدولة الخارجية بما يخدم مصالحها الوطنية، ويستجيب للتغيّرات الحادثة في هيكل النظام الدولي، فإن هناك جدوى اقتصادية كبيرة لا يمكن إنكارها لمثل هذا التوجه؛ حيث يمكن للدولة في هذا الصدد الاستفادة من الخبرات التقنية التي تملكها هذه البلدان الصاعدة في مجالات الطاقة المتجددة والبنية الأساسية والتكنولوجيا والزراعة، وغيرها من المجالات التي تملك فيها هذه الدول ميزة تفضيلية وتنافسية. أضف إلى ذلك أن تكاليف إقامة المشروعات التي تنفذها شركات هذه البلدان الصاعدة غالباً ما تكون منخفضة إذا ما قورنت بتلك التي تنفذها الشركات الكبرى في البلدان الغربية واليابان، علماً بأن التقنيات التي تمتلكها هذه الشركات لا تقل عن نظيرتها في الدول المتقدمة، بل إنها تفوقها أحياناً. وكمثال على ذلك التقنيات المتطورة للغاية التي تمتلكها كوريا الجنوبية في مجال الطاقة النووية، والتي تحاول العديد من البلدان الصاعدة الأخرى الاستفادة منها. ولا شك في أن ما تملكه هذه القوى الاقتصادية الصاعدة من قدرات تنافسية كبيرة، من ناحية الجودة أو التكلفة، يفتح المجال أمام تعاون أوسع بين دولة الإمارات وهذه البلدان.

من ناحية أخرى، فإن عدد سكان البلدان الصاعدة المسماة بمجموعة "بريكس" (الصين والهند والبرازيل وروسيا وجنوب أفريقيا) يشكل نحو 43% من سكان العالم، أو ما يعادل خمسة أضعاف عدد سكان بلدان الاتحاد الأوروبي مجتمعة. وهذا العدد الضخم يمثل طاقة استيعابية كبيرة لأي اقتصاد يسعى إلى النمو والتوسع، الأمر الذي يمنح هذه البلدان ميزة تفضيلية أخرى باعتبارها أكبر سوق في العالم.

تسير دولة الإمارات العربية المتحدة وباقي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأخرى بخطوات متسارعة نحو تطوير صناعاتها الوطنية، ولاسيما في مجال مشتقات النفط والصناعات البتروكيماوية. وهذا ما يجعل منتجاتها بحاجة إلى أسواق تصديرية كبيرة يمكنها امتصاص أي زيادة في هذه الصادرات، حيث تعد أسواق البلدان الصاعدة من أهم مناطق الاستيعاب للمنتجات الإماراتية، ما يساهم في تنمية الصناعات المحلية، التي يعول عليها كثيراً في مجال تنويع مصادر الدخل القومي في دولة الإمارات للتحضير لفترة ما بعد النفط.

ويشكل مثل هذا التوجه أهمية استثنائية بسبب القيود التي تفرضها بلدان الاتحاد الأوروبي على وارداتها من المنتجات الإماراتية والخليجية من البتروكيماويات والألمنيوم، ويمكن تعزيز هذا التوجه من خلال الإسراع في توقيع اتفاقيات للتجارة الحرة مع هذه القوى الاقتصادية الصاعدة، وفي مقدمتها الصين والهند، ولاسيما أن اتفاقية التجارة الحرة مع بلدان الاتحاد الأوروبي تراوح مكانها منذ أكثر من عشرين عاماً بسبب إقحام الجانب الأوروبي لقضايا غير تجارية في صلب هذه المباحثات.

لذلك، فإن رهان دولة الإمارات وباقي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على تعزيز التعاون الاقتصادي والشامل مع القوى الاقتصادية الصاعدة هو رهان على المستقبل، ففي عام 2040 يُتوقع أن تتجاوز الصين الولايات المتحدة، كقوة اقتصادية أولى في العالم، في الوقت الذي ستأتي فيه الهند في المرتبة الثالثة، والبرازيل في المرتبة الرابعة، كما يتوقع فيه أن تحتل دول مجلس التعاون الخليجي المرتبة السادسة، ما يعني تغييراً جذرياً آخر في هيكل العلاقات الدولية يتوقع حدوثه خلال الخمسة والعشرين عاماً القادمة. وهنا يمكن فهم سبب التوجهات الإماراتية الحالية بشكل خاص، والخليجية بشكل عام، لتعزيز العلاقات مع هذه القوى بوصفها عملية تحضير لهذه التغيّرات، التي يمكن تسخيرها لإيجاد اقتصاد محلي أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على النفط.

Share