تطورات خطيرة في صراع الحوثيين

د. أخمد يوسف أحمد: تطورات خطيرة في صراع الحوثيين

  • 7 ديسمبر 2009

ازدادت في بدايات شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي (2009) ملامح نموذج الصراع ضد الحوثيين في شمال اليمن تبلوراً. وكان واضحاً أن الصراع، سواء منذ بلغ الصراع مستوى العنف المسلح في2004، أو منذ بدأت الجولة العسكرية الراهنة فيه في هذا العام، قد وصل إلى حالة "التجمد" stalemate، والتجمد هو مرحلة من مراحل تطور صراع ما لا يكون لأحد طرفيه القدرة فيها على قهر الآخر، سواء على نحو مطلق أو دون التعرض لخسائر غير مقبولة. وقهر الآخر في هذا الصراع يعني بالنسبة للحكومة اليمنية استئصال شأفة الحوثيين تماماً على نحو ما تعد به شعبها وجيرانها منذ 2004، وهو ما لم يحدث خلال ما يزيد على خمس سنوات من الصراع المسلح، وما لا توجد حتى الآن مؤشرات على أنه بسبيله إلى الحدوث.

وقد أعلن فيما سبق أنه يؤكد وصول الصراع إلى حالة "التجمد"، وثمة أسباب عديدة يمكن أن يفسر بها هذا التطور، أولها دون شك أن حرب السلطة المركزية اليمنية ضد الحوثيين حرب "غير متناظرة"، فهي تتم بين جيش نظامي وجماعات مقاتلة تتبع أسلوب حرب العصابات، تماماً كما كان الحال في حروب التحرير في فيتنام والجزائر، وكذلك في الحرب بين إسرائيل وحزب الله (2006) أو بينها وبين حماس (2008/2009)، وأخيراً وليس آخراً في الحرب الراهنة في أفغانستان. وفي الحروب "غير المتناظرة" قد تشير موازين القوى المادية إلى تفوق فادح للجيوش النظامية، غير أن هذا التفوق لا يترجم عادة على الأرض بسبب اختلاف الأساليب القتالية بين الطرفين. أما السبب الثاني فيعود إلى الطبيعة الجغرافية الوعرة لبؤرة القتال في صعدة، والتي جعلت هذه المدينة دوماً عصية على أية سلطة مركزية، بما في ذلك السلطة الجمهورية بعد ثورة 1962 على الرغم من الدعم العسكري المصري لهذه السلطة طيلة خمس سنوات، ومن أن قضية النظام الجمهوري كانت تحظى بشعبية واسعة في اليمن، ولذلك فإن الحوثيين يجدون بسهولة، كما وجد من قبلهم، ملاذاً آمناً في كهوف الجبال للتحصن ومواصلة القتال. وثمة سبب ثالث يعود إلى البنية اليمنية التي ما تزال القبيلة تلعب فيها دوراً محورياً، وعلى الرغم من أن بعض القبائل يقاتل في صفوف السلطة المركزية، فإن ثمة مؤشرات على أن قبائل أخرى تقاتل مع الحوثيين، سواء لصلاتها القبلية بهم أو لتضررها من استخدام القوة المسلحة من قبل السلطة المركزية على النحو الذي ألحق بمنطقة القتال أضراراً واسعة في صفوف المدنيين، يكفي أنها أدت إلى نزوح جديد في الجولة الراهنة للقتال لحوالي 50 ألف يمني، ليصل عدد اللاجئين اليمنيين المتضررين من الحرب إلى ما لا يقل عن 150 ألف لاجئ. وهناك سبب رابع لا نعرف عنه الكثير، وهو احتمال أن تكون الجماعة الحوثية شديدة التماسك المذهبي على النحو الذي يوفر طاقة معنوية هائلة للقتال. أما السبب الأخير فهو احتمالات الدعم الخارجي، وسنعود إليه لاحقاً باعتباره واحداً من الأبعاد التي شهدت تطورات لافتة في الصراع خلال الشهر الماضي.

لهذه الأسباب كلها لم تتمكن السلطة المركزية اليمنية من استئصال الحوثيين كما تريد خلال ما يقرب من ست سنوات من العمل العسكري، وبطبيعة الحال فإنه من غير الوارد أن ينجح الحوثيون بالمقابل في إقامة نظامهم الإمامي المنشود على كامل أرض اليمن؛ لأن من شأن السعي إلى تحقيق هذا الهدف أن يقوض بعضاً من مصادر قوتهم التي تمت الإشارة إليها فيما سبق، بل إنه من غير الوارد أن يقيموا إمامتهم حتى في محيطهم الضيق؛ لأنهم في هذه الحالة سوف يتحولون من جماعات مقاتلة تتبع أسلوب حرب العصابات إلى دولة لها أجهزة إدارية تقبع في مقار محددة، وبالتالي يسهل أن تكون هدفاً لضربات موجعة من قبل قوات السلطة المركزية.

غير أن وصول الصراع ضد الحوثيين إلى مرحلة "التجمد" لم يكن إلا واحداً من ثلاثة ملامح تبلورت في نموذج هذا الصراع، أما الملمح الثاني فقد تبلور منذ الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حين أعلنت السعودية عن استشهاد أحد عسكرييها وإصابة أحد عشر آخرين بجروح في اشتباك مع مسلحين تسللوا إلى أراضيها من اليمن في منطقة جازان، وأوضحت أنها ستقوم بما يلزم للحفاظ على أمن مواطنيها وحماية حدودها، وكان واضحاً من هذا الإعلان بغض النظر عن التدقيق فيه أن الصراع قد انتشر خارج حدود اليمن على نحو يؤكد صفته "الإقليمية"، وليس مجرد أنه صراع محلي يمني، ولقد كانت السعودية قلقة منذ الوهلة الأولى تجاه تطورات الصراع لطبيعته المذهبية التي يمكن أن تؤثر، حال استمراره، على استقرارها كحد أدنى، وعلى تماسكها المجتمعي كحد أقصى، خاصة بالنظر إلى ما تردد كثيراً عن دعم إيراني للحوثيين، ولذلك لم يكن خافياً أنها تدعم اليمن بقوة في هذا الصراع، وبهذا المعنى كان الصراع "إقليمياً"، وإن على نحو غير مباشر. أما الآن فقد أصبحت الصفة الإقليمية المباشرة للصراع بغير حاجة إلى إثبات.

وقد اتخذت السعودية ردود الأفعال العسكرية الطبيعية لامتداد الصراع إلى داخل أراضيها، غير أن قيادتها العسكرية بدت غير مستفيدة من تطور نموذج الصراع نحو "التجمد" على النحو السابق بيانه، فما ينطبق على صراع الحوثيين ضد قوات السلطة المركزية اليمنية ينطبق كذلك على صراعهم ضد القوات السعودية، ومن ثم فإن الافتراض الأولي أن حسم الصراع عسكرياً بين السعودية والحوثيين غير وارد، ناهيك عن أن يتم بسهولة أو في فترة زمنية قصيرة. صحيح أن الحوثيين سوف يكونون بالتأكيد في وضع أسوأ، وهم يواجهون القوات المسلحة لأكبر دولتين في الجزيرة العربية، إلا أن هذا لا يغير من طبيعة الصراع شيئاً. وقد تتابعت "الانتصارات" السعودية الفورية ومعها التصريحات التي تكشف عن عدم الإلمام الكافي بطبيعة الصراع، والتي تراوحت غير مرة بين إعلان الانتصار التام وتطهير الأراضي السعودية من المتسللين، وإعلان مواصلة القتال وإرسال التعزيزات العسكرية لمنطقته وفقد جنود سعوديين، وهي مراوحة يتمنى المرء أن تكون خاصة بوسائل الإعلام وليس بفكر القيادة، وإن كانت وسائل الإعلام تعتمد فيما تقوله على تصريحات رسمية سعودية.

أما الملمح الثالث والأخير فيتصل بالتدخل الخارجي، وبالتحديد الإيراني في الصراع، ولقد كانت إيران متهمة دوماً بذلك من قبل السلطات اليمنية التي لم تكن تملك دليلاً ملموساً على صحة اتهاماتها، ولذلك فضلت الحديث عن تلقي الحوثيين دعماً من "مرجعيات" داخل إيران، وهو تعبير دبلوماسي يقصد منه تقليص الصدام مع إيران الرسمية في ظل غياب أدلة ملموسة على تدخلها في الصراع. غير أنه في أعقاب امتداد الصراع إلى الأراضي السعودية ارتكبت الدوائر الرسمية الإيرانية خطأً جسيماً تمثل في الإدلاء بتصريحات لا يمكن إلا أن تشير إلى دعمها الحوثيين في اليمن، فقد حذر وزير الخارجية الإيراني دول جوار اليمن من التدخل في شؤونها، دون أن يحدد هذه الدول بالاسم، وهو تصريح لا يمكن أن يقصد به إلا السعودية التي كانت من ناحية تدافع عن إقليمها، ومن ناحية أخرى تعمل بتنسيق كامل مع السلطات اليمنية، ومن ثم فإنه من غير الممكن تكييف سلوكها بأنه ينطوي على تدخل في الشأن اليمني، وعندما أثار هذا التصريح ما هو متوقع من ردود فعل سلبية يمنية وسعودية وخليجية وعربية بدا أن الوزير الإيراني يتراجع، ويكتفي بإعلان استعداد بلاده للتعاون مع الحكومة اليمنية وبلدان أخرى لاستعادة الأمن في اليمن، داعياً إلى بذل جهد جماعي لتسوية الصراع، وإلا فإن أي إجراء مخالف سوف يخدم مصالح أعداء البلدان الإسلامية والعربية.

وترجح هذه التصريحات اهتمام إيران الرسمية بمصير الحوثيين، بدليل أنها لم تدل بمثل هذه التصريحات إلا عندما ثار التخوف من تغير موازين القوى لغير صالحهم بانضمام القوات السعودية إلى القتال ضدهم، غير أنه من المؤكد أن السياسة الإيرانية بإعلان رغبتها في المشاركة في جهد جماعي لتسوية النزاع تريد أن يكون لها موطئ قدم سياسي شرعي في هذه المنطقة بالغة الحساسية من الوطن العربي، وقد ذكرت تقارير صحفية نشرت يوم 18 نوفمبر الماضي أن وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الرسمية قد نقلت عن رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية قوله إن "قتل اليمنيين الشيعة… يشكل خطورة بالغة على الإسلام والمنطقة" منتقداً السلوك السعودي في الصراع، وكلها تطورات تقدم أول مؤشرات موثوق بها لتدخل إيران في الصراع.

بهذه الملامح الجديدة تكتمل خطورة الموقف الراهن في الصراع ضد الحوثيين، فنحن إزاء صراع مرشح للامتداد زمنياً، تتضمن أطرافه الآن دولتين عربيتين تعاني إحداهما من شح لافت في الموارد بعد تراجع أسعار النفط ?المصدر الأول للعائدات اليمنية- الذي سوف ينعكس لاشك على استقرارها الداخلي في ظل استمرار الحرب، ومن تهديدات أمنية أخرى خطيرة كما في التحدي الذي يمثله كل من الحراك الجنوبي وتنظيم القاعدة، ومن عجز تام حتى الآن عن تسوية الصراع سياسياً، فيما تخشى الثانية من أن استمرار الصراع على حدودها قد تكون له انعكاساته السلبية على الوضع الداخلي فيها، وتبدو إيران في معادلة الصراع رقماً صاعداً يحاول أن يضيف إلى نقاط ارتكازه التي استطاع تأمينها داخل النظام العربي نقطة جديدة في منطقة بالغة الحساسية، ولما كانت الأمور قد وصلت إلى حد القطيعة الكاملة بين الحوثيين وخصومهم فإن إنقاذ النظام العربي من امتداد النفوذ الإيراني إلى هذه المنطقة لا يمكن أن يتم إلا بمسعى عربي، وهذه معضلة أخرى. 

Share