تطورات الأوضاع في السودان.. إلى أين؟

  • 30 يوليو 2012

يواجه السودان في الوقت الراهن تحديات مصيرية تضع مستقبله على المحك، بعضها داخلي يتعلق بحالة الاحتقان السياسي والاقتصادي والأمني المتفاقمة التي تشهدها البلاد منذ انفصال الجنوب في منتصف العام الماضي، وبعضها الآخر خارجي يرتبط بأزمة العلاقة مع دولة جنوب السودان الوليدة بعد فشل البلدين في التوصل إلى حلول توافقية لكثير من القضايا الخلافية العالقة بينهما.

فعلى المستوى الداخلي، لم يؤد انفصال جنوب السودان واستقلاله في التاسع من تموز/ يوليو 2011 إلى استقرار الأوضاع كما كان مأمولاً، على العكس من ذلك تسبب هذا الانفصال في تعاظم حدة التحديات التي تواجهها البلاد وتزايد خطورتها. فمن ناحية أصبح هذا الانفصال سابقة ونموذجاً تسعى بعض الأقاليم والمناطق الأخرى التي لديها توجهات انفصالية إلى تطبيقه، كأقاليم دارفور وشرق السودان وجنوب كردفان والنيل الأزرق، والتي ارتفع سقف طموحات سكانها، في ظل الإحساس العام بضعف حكومة الخرطوم. وبينما ظلت جبهة القتال مشتعلة في دارفور بين القوات الحكومية وفصائل الحركات المسلحة في الإقليم، شهدت البلاد اندلاع مواجهات عسكرية أخرى بين القوات الحكومية ومتمردي الجيش الشعبي –قطاع الشمال- في ولاية النيل الأزرق، وكذلك في ولاية جنوب كردفان، الأمر الذي حمّل الحكومة السودانية مزيداً من الأعباء المالية نتيجة تزايد النفقات العسكرية والأمنية.

من ناحية أخرى، ترك انفصال الجنوب آثاراً اقتصادية سلبية واضحة على الاقتصاد السوداني، فقد خسر السودان ثلاثة أرباع إيراداته النفطية جراء هذا الانفصال (قرابة 3.2 مليارات دولار)، وتعد عائدات النفط المصدر الأساس لاحتياطي البلاد من العملات الأجنبية، ما تسبب في تراجع قيمة العملة الرسمية وزيادة عجز الموازنة، الأمر الذي وضع حكومة الخرطوم أمام تحدٍّ صعب ومعقد فلجأت معه إلى اتخاذ تدابير وإجراءات قاسية لإنقاذ البلاد من خطر الانهيار الاقتصادي، مثل تقليص حجم الموازنة العامة ودمج بعض الوزارات وإنهاء عقود بعض المستشارين لضغط النفقات، الأمر الذي أثر سلباً في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والإسكان، إضافة إلى تخفيض الدعم عن بعض السلع، مثل الوقود والسكر، وزيادة الرسوم الضريبية والجمركية، ما أدى إلى تفاقم مشكلة الغلاء والتأثير سلباً في مستويات معيشة قطاعات واسعة من المواطنين، ولاسيما مع تراجع معدلات الإنتاج المحلي.

وقد تسببت هذه التدابير التي اعترفت الحكومة نفسها بأنها قاسية في إثارة استياء قطاعات واسعة من المواطنين الذين خرجوا في مسيرات احتجاجية واسعة شملت عدة مدن في ولايات مختلفة. وقد بدأت موجة التحركات الاحتجاجية هذه في السابع عشر من شهر حزيران/ يونيو 2012 بمبادرة من مجموعات طلابية وشبابية في جامعة الخرطوم، وسرعان ما تجاوبت معها قطاعات شعبية أخرى احتجاجاً على السياسات الحكومية التقشفية. ومثلما حدث في دول أخرى في المنطقة مثل مصر وتونس، سرعان ما انتقلت مطالب بعض المحتجين من التنديد بهذه السياسات الحكومية التقشفية، التي رأت الحكومة أنه لا مناص من تطبيقها لتفادي انهيار الاقتصاد، إلى المطالبة بإجراء إصلاحات سياسية واسعة، وصولاً إلى حد المطالبة بتغيير نظام الحكم، بعد فشل حكومة الإنقاذ الوطني في تحقيق طموحات الشعب السوداني منذ تسلمها مقاليد الحكم عام 1989. وقد لعبت بعض الأحزاب وقوى المعارضة السودانية، ولاسيما حزب المؤتمر الشعبي بزعامة حسن الترابي والحزب الشيوعي، دوراً مهماً في تعبئة هذه التحركات الاحتجاجية وحشدها.

كما بدأت بعض أحزاب المعارضة تنسيق مواقفها لوضع نقاط مشتركة حول البرنامج الذي عرف بـ"ما بعد نظام الإنقاذ" أو "البديل الديمقراطي". وعلى الرغم من اتفاق هذه الأحزاب حول بعض المطالب الأساسية، مثل الدعوة إلى إلغاء القوانين المقيدة للحريات، وعقد موتمر دستوري وطني لإعداد البلاد لانتخابات جديدة حرة، وتحميل نظام البشير مسؤولية تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية، والذهاب إلى تحميل حزب المؤتمر الحاكم مسؤولية انفصال الجنوب، فإن هذه الأحزاب وجدت صعوبة في تنسيق أهدافها وأجنداتها، كما أنها فشلت في تقديم البديل المقنع لنظام البشير حتى الآن.

وعلى الرغم من أن هذه التحركات الشعبية لم تصل إلى حد الزخم الذي شهدته البلدان الأخرى المجاورة للسودان مثل مصر وليبيا وتونس، فإنها مثلت مؤشراً على تآكل شعبية النظام الحاكم في الخرطوم، ولاسيما أن هذا النظام كان يروج لتبرير انفصال الجنوب بادعاء أن التخلص من عبء الجنوب سيشكل فرصة لانطلاق السودان وازدهاره، في حين أثبت الواقع أن هذا الانفصال لم يترك أي أثر إيجابي على السودان.

على المستوى الخارجي، لم يأت الانفصال بالسلام المأمول فيه. فعلى الرغم من مرور أكثر من عام على استقلال الجنوب، لم تعرف مناطق الحدود الهدوء؛ حيث شهدت اشتباكات متعددة، أخطرها إقدام قوات الجنوب في العاشر من شهر إبريل الماضي (2012) على احتلال منطقة هجليج النفطية التابعة للشمال والسيطرة عليها، مما استدعى هجوماً مقابلاً من قوات الشمال، وترتَّب على ذلك تدمير بعض المنشآت النفطية المهمة، وتوقف صادرات النفط السودانية، الأمر الذي ساهم في تفاقم وطأة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، ومن ثم زيادة حدة الغضب الشعبي.

وعلى الرغم من تراجع نذر الحرب الشاملة بين البلدين بعد قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2046/2012)، الذي طالب الجانبين بوقف جميع الأعمال العدائية فوراً، وبسحب غير مشروط لجميع قواتهما المسلحة من الحدود، والتوقف عن دعم أي مجموعة متمردة ضد الدول الأخرى، واستئناف المباحثات بلا شروط تحت رعاية فريق الاتحاد الإفريقي، للتوصل إلى اتفاق بشأن القضايا الخلافية الأساسية (وهي: الترتيبات المتعلقة بالنفط وما يتصل بها من مدفوعات، ووضع رعايا البلدين المقيمين في البلد الآخر، وتسوية وضع المناطق الحدودية المتنازع عليها، والوضع النهائي لمنطقة أبيي) – على الرغم من هذه التطورات، فإن آفاق العلاقة بين البلدين مازالت ملبدة، ولاسيما في ظل الأنباء الأخيرة حول فشل المفاوضات التي كانت قد استؤنفت بين الجانبين برعاية الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا في بداية حزيران/يونيو 2012 التوصل إلى حلول توافقية بشأن القضايا الخلافية المشار إليها. وليس بخاف أن استمرار هذا التوتر والصراع بين الجانبين، يعني من الناحية العملية إهدار الموارد المالية المحدودة المتاحة للجانبين، سواء من ناحية توجيهها للعمليات العسكرية على الحدود، أو من ناحية تعطيل تصدير النفط الذي يمثل المورد الأساسي للدخل القومي في البلدين، ولاسيما في دولة جنوب السودان، وهو ما يعني مزيداً من الضغوط على الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلدين، ومزيداً من الأعباء على الجماهير التي بدأت تتحرك للتعبير عن غضبها من استمرار هذه الأوضاع.

إن تفجر موجة الغضب الشعبي التي شهدها السودان مؤخراً، حتى وإن كانت على مستوى ضيق، يمثل رسالة واضحة للقائمين على الحكم بضرورة التحرك الفاعل والجدي للتعامل مع مختلف الأزمات والتحديات التي يواجهها هذا البلد، وكلما كانت السياسات الحكومية أكثر نجاعة وجدوى في تحقيق طموحات الشعب في تحقيق مستوى أفضل من المعيشة والتنمية، نجحت في امتصاص حدة الغضب الشعبي، ووضعت البلاد على مسار التنمية الصحيح، فمن غير المقنع أن يقبع أكثر من 45% من السكان تحت خط الفقر، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، في بلد كان من المفترض أن يشكل سلة الغذاء في العالم العربي.

Share