تطورات إدلب والسيناريو المتوقع بين تركيا وروسيا

  • 1 مارس 2020

تشهد منطقة شمال غرب سوريا تصعيداً خطيراً بعد مقتل 34 جندياً تركياً في إدلب في هجوم للنظام السوري المدعوم من روسيا؛ حيث يبدو المشهد في ظل المواقف الإقليمية والدولية المختلفة، مفتوحاً على كل الاحتمالات، بما فيها إمكانية اندلاع حرب موسعة.. فكيف ذلك؟
لطالما كان يُنظر إلى إدلب على أنها ستكون آخر مرحلة في الصراع المستمر في سوريا منذ تسعة أعوام، ولكن على أساس أن تكون، كما كان يؤمل، مفتاحاً للحل، وليس سبباً في اندلاع حرب جديدة؛ حيث أصبحت المحافظة، وفي ظل اتفاق «سوتشي» بين القوى الضامنة، مكاناً للمعارضة السورية، التي كانت تخسر مواقعها في مختلف مناطق سوريا؛ وبرغم أن المراقبين كانوا يتوقعون أن الأوضاع هناك- وبغض النظر عن اتفاق سوتشي الذي حدد مواقع تقدم الجيش السوري، وسمح بوجود نقاط مراقبة تركية- ستنفجر يوماً ما، ولكن ربما ليس إلى الحد الذي وصلت إليه هذه الأيام، حيث أصبحت المنطقة على شفير حرب قد تخلط الأوراق في سوريا، والمنطقة بأكملها، بالنظر إلى القوى التي يمكن أن تنخرط في الصراع، من جهة، أو تداخل المصالح الإقليمية، وارتباط الصراع بالتمدد التركي في منطقة البحر المتوسط، من جهة أخرى؛ وهذا كله يثير أسئلة مهمة عن المسار الذي قد تتخذه الأزمة.
فمن حيث المبدأ، يبدو، أو هكذا يَظهر، أن كل الأطراف تريد التهدئة، وخاصة تركيا وروسيا؛ وقد جاء الاتصال الهاتفي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونظيره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هذا الإطار؛ برغم أنه لم يرشح الكثير من التفاصيل، ولكن الحديث عن لقاء مرتقب بين الرئيسين هذا الأسبوع في موسكو يعد مؤشراً مهماً إلى عدم الرغبة في التصعيد. ولكن المشكلة تكمن في المسار الذي يريده كل طرف للتهدئة؛ فمواقف الطرفين ما زالت على النقيض؛ فتركيا تريد أن تعود قوات النظام السوري إلى ما كانت عليه بموجب اتفاق سوتشي؛ بينما تصر موسكو على حق دمشق في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.
ومن ثم فإن التوصل إلى حل وسط ليس أمراً سهلاً؛ فعلى الأغلب لن تقبل روسيا أن تنسحب قوات النظام من مناطق تقدمها، بينما سيكون قبول الرئيس التركي بالأمر الواقع، وخاصة بعد مقتل هذا العدد الكبير من الجنود الأتراك، تحدياً، بل وحتى هزيمة. لذا، فإن خيار التصعيد برغم الرغبة في التهدئة يبقى قائماً.
والعامل الآخر المهم هنا هو المواقف الدولية؛ فهناك كما يبدو محاولة من الغرب لاستغلال الصراع ساحة للتنافس المتنامي بينها وبين روسيا، حيث ترى أوروبا أن روسيا ما زالت الخطر الأكبر عليها، وأن تقارب موسكو مع أنقرة يمثل تحدياً كبيراً، ولهذا فهناك من يرى في هذه الأزمة فرصة للغرب لاستعادة تركيا مجدداً، وخاصة أن أنقرة طلبت اجتماعاً لحلف شمال الأطلسي لبحث التطور الأخير. وبرغم أن تركيا لم تطلب تدخل الحلف حتى الآن، ولكن حتى لو طلبت، فلا يُتوقع أن يفعل الحلف ذلك، حيث لا يبدو أن الحالة في سوريا تقع ضمن نطاق ميثاق الحلف؛ ولكن هذا لا يمنع أن تقدم أوروبا مساعدات لتركيا؛ عسكرية، وكذلك مالية، من أجل منع تدفق اللاجئين باتجاه أوروبا الذي بدأ بالفعل أمس.
أما الولايات المتحدة، فأمرها ربما أكثر وضوحاً، فهي وبرغم تصريحات المسؤولين الأمريكيين بشأن دعمهم موقف تركيا فإنهم لم يتحدثوا عن دعم عسكري؛ بل ولم يعلن الرئيس ترامب موقفاً صريحاً كعادته في هذا الأمر، برغم تواصله مع أردوغان هاتفياً، ولكن قد تستغله من أجل مقايضة تركيا فيما يتعلق بصفقة الصواريخ (إس- 400)، فإذا ما حدثت مواجهة بين روسيا وتركيا، فلا يُتوقع أن تُقدِم واشنطن على تقديم أي دعم حقيقي؛ ما لم تعلن تركيا تخليها عن صفقة الصواريخ الروسية.

Share