تطورات أسواق النفط والموازنات الخليجية

  • 23 مايو 2011

ما تزال الموازنات السنوية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ترتبط بشكل مباشر ووثيق مع تطورات أسواق النفط العالمية، على الرغم من التقدم الذي حققته دول المجلس في مجال تنويع مصادر تمويل هذه الموازنات خلال الأعوام الماضية، والذي جاء ضمن توجه عام يرمي إلى تنويع مصادر الدخل الوطني.

وبما أن أسعار النفط تبدو اليوم في أفضل حالاتها بالنسبة للدول المنتجة؛ حيث تستقر عند مستويات مرتفعة، فإن الموازنات الخليجية تمر هي الأخرى بأفضل حالاتها منذ أكثر من عقد من الزمن، فبعد سنوات طويلة من العجوزات المتواصلة، والتي استمرت طوال عقد التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، بدأت الموازنات السنوية لدول مجلس التعاون تشهد تحقيق فوائض كبيرة مع ارتفاع أسعار النفط منذ منتصف العقد الماضي ليصل هذا الفائض إلى رقم قياسي قدره مصرف الإمارات الصناعي بـ 55.4 مليار دولار في العام الماضي (2010).

ومع تخطي أسعار النفط لحاجز المائة دولار في الربع الأول من العام الجاري، فإن فوائض الموازنات الخليجية سيفوق فوائض العام الماضي، وذلك على الرغم من ارتفاع الإنفاق بعد سلسلة من المبادرات التي أدت إلى زيادة الرواتب وتقديم العديد من الإعانات والحوافز للمواطنين في كافة دول المجلس.

وعلى الرغم من أن الإنفاق المعلن لموازنات البلدان الستة الأعضاء في المجلس لهذا العام يقترب من 300 مليار دولار، وهو مبلغ مساو تقريباً لمستوى الإنفاق في العام الماضي، فإن هذا المبلغ يتوقع أن يرتفع بنسبة 15%، مع نهاية العام، ما يعني ضخ مزيد من الأموال لتنشيط الأوضاع الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي.

وقد وضعت دول المجلس موازناتها السنوية على أساس أسعار متحفظة لبرميل النفط تراوحت بين 80 دولاراً للبرميل في مملكة البحرين و43 دولار للبرميل في دولة الكويت، في الوقت الذي تجاوزت فيه أسعار النفط هذا المعدل بنسبة كبيرة.

وتوضح الإحصاءات المتوفرة أن الفوائض في موازنات الدول الأعضاء بالمجلس سوف تتركز في ثلاثة بلدان، هي: المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ إذ يتوقع أن يبلغ حجم الفائض في الموازنة السعودية نحو 25 مليار دولار بسبب الزيادة الحاصلة في حجم الإنتاج وارتفاع الأسعار، ونحو 25 مليار دولار مماثلة في موازنة الكويت بسبب اعتماد سعر متحفظ جداً لبرميل النفط.

ويبدو أن أسعار النفط سوف تستقر في السنوات القادمة عند مستويات مرتفعة، مما سيزيد من الفوائض التراكمية التي يمكن تحقيقها في الموازنات الخليجية، إلا أن ذلك يطرح من جديد العلاقة المتبادلة بين أسعار النفط، ارتفاعاً وانخفاضاً، وبين سياسات التقشف أو زيادة الإنفاق المالي التي تتبعها دول مجلس التعاون طبقاً لاتجاه حركة الأسعار. ويعزز من هذا الطرح أن التقلبات السعرية سوف تستمر هي الأخرى في الفترة القادمة، فبنك "غولدمان ساكس"، على سبيل المثال، توقع انخفاض الأسعار في شهر أبريل الماضي عن مستوياتها القياسية التي بلغتها بداية هذا العام، وهو ما حدث بالفعل، حيث انخفضت الأسعار عن مستوياتها في شهري فبراير ومارس الماضيين.

وفي بداية شهر مايو الجاري توقع بنك "ميريل لينش" أن تشهد أسعار النفط تصحيحاً تنازلياً في النصف الثاني من العام الجاري، في الوقت الذي توقع فيه "جي بي مورغان" و"دوتشية بنك"  و"باركليز كابيتال" أن ترتفع أسعار النفط في العام الحالي لتصل إلى 130 دولاراً للبرميل.

وسط هذه التوقعات المتضاربة يصعب تحديد الحجم النهائي للفوائض المتوقعة للموازنات الخليجية، إلا أن كافة هذه التوقعات، بما فيها تلك التي تشير إلى عمليات تصحيح تنازلية للأسعار تتفق على أن أسعار النفط ستبقى فوق أسعار الأساس التي وضعت عند إعداد الموازنات في دول مجلس التعاون الخليجي.

لذلك، فإن الارتفاعات الحالية والمستمرة منذ أكثر من ست سنوات تتيح لدول المجلس فرصاً مثالية ليس لفك الارتباط بين طرفي هذه المعادلة، أي بين أسعار النفط وتمويل الموازنات السنوية بصورة فورية وسريعة، إذ إن مثل هذه العملية تحتاج إلى سنوات عديدة ضمن استراتيجية تنموية شاملة، وإنما هي فرصة لاستغلال الفوائض الناجمة عن ارتفاع الأسعار للتخفيف من حدة هذه العلاقة التي تؤثر في استقرار الاقتصادات الخليجية، وذلك بسبب التذبذبات الحادة في أسواق النفط العالمية والناجمة عن المضاربات وعن الأحداث السياسية والكوارث الطبيعية، إلى جانب الأسباب الموضوعية الخاصة بتقلبات العرض والطلب في الأسواق العالمية.

وإذا ما اٌعتمدت مثل هذه الاستراتيجية التنموية، فإن المستقبل سيحمل بين طياته كثيراً من الاستقرار والتنمية المتوازنة للاقتصادات الخليجية، بعيداً عن التقلبات الحادة في أسواق النفط العالمية، ناهيك عن المحاذير المتعلقة بالنفط ذاته كمصدر دائم للطاقة، سواء أكانت بسبب محدودية الاحتياطيات أو بسبب الاتجاه نحو تطوير مصادر الطاقة البديلة، والذي أصبحت البلدان النفطية جزءاً أساسياً فيه، ولاسيما دولة الإمارات العربية المتحدة، التي قطعت خطوات مهمة في هذا الصدد، أبرزها إنشاء مدينة "مصدر" بمدينة أبوظبي، واستضافة المقر الدائم لوكالة الدولية للطاقة المتجددة "إيرينا" بالعاصمة الإماراتية.

وحتى يتم الوصول إلى عملية التوازن الاقتصادي هذه، فإن الموازنات الخليجية ستبقى رهينة تقلبات أسعار النفط، وما قد يتمخض عنها من تذبذب لمعدلات النمو في دول المجلس، والتي إما أن ترتفع بصورة حادة لتتجاوز 10%، أو تنخفض بصورة حادة أيضا لتقترب من المستويات المتدنية التي حدثت في السابق.

مثل هذا التذبذب في أسعار النفط يمثل إشكالية تنموية للبلدان المنتجة والمصدرة للنفط قد تترتب عليها مصاعب اقتصادية عديدة، يمكن التغلب عليها في الوقت الحاضر بفضل الفوائض التي تحققت في أوقات الذروة في الأسعار، إلا أنه لا يمكن التنبؤ بنتائجها على الاقتصاديات النفطية على المدى البعيد، الأمر الذي يتطلب حل هذه العلاقة المتبادلة والقوية بين تقلبات أسعار النفط والموازنات السنوية، ولاسيما أن أوضاع سوق النفط في السنوات القادمة تهيئ وضعاً مثالياً لحل هذه الإشكالية بفضل الأسعار المرتفعة، ما يوفر بدوره القدرات اللازمة لتنويع مصادر الدخل الوطني، من خلال زيادة مخصصات الاستثمار؛ ليتم تجاوز مرحلة بناء البنى الأساسية التي تطورت بصورة كبيرة، حتى يشمل ذلك بصورة خاصة زيادة الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والخدمية، بما فيها الصناعات الحديثة ضمن ما يعرف باقتصاديات المعرفة.

Share