تطورات أسواق الطاقة على المدى القريب: الفرضيات والتوقعات

د. وليد خدوري: تطورات أسواق الطاقة على المدى القريب: الفرضيات والتوقعات

  • 3 سبتمبر 2015

اكتنفت أسواق الطاقة متغيرات عدة خلال الآونة الأخيرة. فبعد الاستقرار لمدة ثلاث سنوات تقريباً لنفط "برنت" على معدل ما بين 100 و115 دولاراً للبرميل، بدأت الأسعار تتدهور منذ يونيو 2014 إلى 40 دولاراً للبرميل، ثم تصححت الأسعار لفترة قصيرة، مؤخراً، لتتراوح ما بين 50 و60 دولاراً للبرميل. فكان معدل سعر نفط "برنت" لشهر يوليو الماضي نحو 57 دولاراً للبرميل، أو نحو 5 دولارات، أقل من معدله خلال شهر يونيو الماضي. واستمر انخفاض سعر نفط "برنت" في شهر أغسطس الماضي.

وتتعدد العوامل وراء انخفاض أسعار النفط، فهناك القلق من الأداء الاقتصادي السلبي للدول الناشئة في العالم الثالث، وتحديداً في الصين. وهناك التوقعات بزيادة قريبة وضخمة للصادرات النفطية الإيرانية بعد رفع العقوبات إثر توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى، برغم أن ما جاء في الاتفاق النووي بشكل واضح بخصوص هذا الأمر، فإن هذه الصادرات الجديدة لن تصل إلى الأسواق قبل بداية عام 2016، بل حتى النصف الثاني من العام المذكور. كما أن هناك الزيادة المستمرة للمخزون النفطي العالمي إلى معدلات أعلى بكثير من المستويات التاريخية المعهودة. فقد ارتفع المخزون التجاري النفطي العالمي في عام 2015 نحو 14% عن مستوى المخزون لعام 2014. إذ ارتفع نحو 2.7 مليون برميل يومياً خلال الربع الثاني من عام 2015، أو ما يشكل زيادة 800 ألف برميل يومياً عن الارتفاع خلال الربع الأول من عام 2014. وارتفعت معدلات مخزون الغاز في الولايات المتحدة أيضاً، حيث بلغت 2.912 مليار قدم مكعبة في نهاية شهر يوليو، ما يعادل زيادة قدرها 23% مقارنة بالسنة الماضية، و2% أعلى من معدل السنوات الخمس الماضية ما بين عامي 2010 و2014. ومن المتوقع زيادة هذا المخزون الذي يترك بصماته، حاله حال زيادة المخزون التجاري للنفط.

بالإضافة إلى ذلك، هناك طبعاً الفرضية الرئيسية لانخفاض أسعار النفط، وهي زيادة الإمدادات عن معدلات الاستهلاك، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض الأسعار. وتدل الإحصاءات على أن الإنتاج العالمي للسوائل البترولية (نفط خام ومكثفات) ارتفع في عام 2014 نحو 1.1 مليون برميل يومياً، حيث ازدادت إمدادات النفط الخام والمكثفات إلى 92.4 مليون برميل يومياً خلال العام المذكور. ويتوقع في الوقت نفسه استمرار ارتفاع الاستهلاك العالمي نحو 1.3 مليون برميل يومياً خلال عام 2015.

وقد شكلت زيادة معدل الاستهلاك خارج الأقطار الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (الدول الصناعية الغربية) 1.4 مليون برميل يومياً في عام 2014، بينما بلغت الزيادة 800 ألف برميل يومياً، فقط في عام 2015، ومن المتوقع أن يزداد معدل الاستهلاك نحو 1.2 مليون برميل يومياً في عام 2016. كما أن موضوع الصين يثير تساؤلات كبيرة حول مدى انكماش النمو الاقتصادي وتقلصه لهذه الدولة المهمة، ومدى تأثير ذلك في تقلص الطلب العالمي على الطاقة. وتشير المعلومات المتوافرة إلى  أنه برغم التباطؤ الاقتصادي الصيني خلال عامي 2014 و2015، فإن الصين ستستمر المحرك الرئيسي (الدينامو) لاقتصادات الدول الناشئة في العالم الثالث، ولاسيما بين معظم جاراتها الدول الشرق آسيوية. ويتوقع أن يبلغ معدل النمو الاستهلاكي الصيني لعامي 2015 و2016 نحو 300 ألف برميل يومياً.

وتتوقع دوائر الأبحاث المتخصصة، ومنها على سبيل المثال، إدارة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية، أن يتراوح معدل سعر نفط "برنت" خلال عامي 2015 و2016، نحو 54 دولاراً لعام 2015 و59 دولاراً لعام 2016. وتكمن أهمية هذه التوقعات السعرية ومصداقيتها في الفرضيات التي تم اعتمادها، وهي الآتية: افتراض تنفيذ الاتفاق النووي الإيراني، وبدء تنفيذ الالتزام العالمي برفع العقوبات عن إيران خلال عام 2016. وأن إيران ستزيد إنتاجها نحو 300 ألف برميل يومياً في عام 2016، وأن معظم الزيادة في الإنتاج الإيراني ستحدث خلال النصف الثاني من عام 2016؛ نظراً إلى الفترة الزمنية المطلوبة لكي تنتهي "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" من تفتيشها الميداني في إيران لتتأكد من تنفيذ طهران للاتفاق، وخلو إيران من برامج نووية عسكرية. ومن المتوقع أن تنتهي الوكالة من عملية التفتيش في منتصف شهر ديسمبر 2015، ومن ثم ترفع تقريرها إلى الدول الأعضاء في الوكالة، ثم تنتظر أجوبتهم  وتساؤلاتهم.

كذلك سيؤثر في أسعار النفط خلال الفترة المقبلة، استمرار ازدياد المخزون التجاري النفطي العالمي إلى مستويات أعلى. ومن المتوقع انخفاض إنتاج النفط الخام الأمريكي من نحو 9.4 مليون برميل يومياً في عام 2015 إلى نحو 9 ملايين برميل يومياً في عام 2016، لتعود معدلات الإنتاج إلى الزيادة في الولايات المتحدة مع استقرار الأسعار على مستويات أعلى مع تحسن الأسعار. ويعود معظم الانخفاض في الإنتاج الأمريكي خلال عامي 2015 و2016 إلى الانكماش الطفيف نسبياً في صناعة النفط الصخري التي تأثرت سلبياً بتدهور الأسعار وتأثير ذلك في ربحية الشركات العاملة في هذه الصناعة الحديثة. لكن الارتفاع المستقبلي للأسعار سيزيد من أرباح شركات النفط الصخري، ما سيدفعها إلى زيادة الإنتاج ثانية، وهذا ما يُتوقع في عام 2016.

من الجدير بالذكر، أن هناك ثلاث دول منتجة الآن يبلغ معدل إنتاج كل منها ما بين 9 و10 ملايين برميل يومياً، وهي: السعودية، وروسيا، والولايات المتحدة، الأمر الذي يترك بصماته على مستوى الأسعار العالمي، ومعدلات الإنتاج، وضرورة التنسيق ما بين أقطار منظمة "أوبك" والدول غير الأعضاء في المنظمة؛ للوصول إلى حلول مشتركة لاستقرار الأسعار، واعتماد جميع المنتجين، بالذات الكبار منهم، داخل "أوبك" وخارجها، التنسيق والتعاون وتحمّل المسؤوليات لتأمين الاستقرار السعري.

وبالنسبة إلى إنتاج الأقطار الأعضاء في "أوبك"، تتوقع زيادة الإنتاج نحو 800 ألف برميل يومياً في عام 2015، على معدله في عام 2014 البالغ نحو 30.1 مليون برميل يومياً. يعود السبب في هذه الزيادة إلى الارتفاع المستمر لإنتاج النفط العراقي في عام 2015 والتوقعات باستمرار الزيادة في عام 2016. كما ازداد إنتاج النفط السعودي في عام 2015، ويُتوقع، كما ذكر سابقاً، ازدياد إنتاج النفط الإيراني في عام 2016. من الجدير بالذكر أن معدل إنتاج النفط الإيراني كان قد بلغ نحو 3.6 مليون برميل يومياً قبل الحصار الدولي. أما في أثناء فترة المقاطعة، فقد انخفض معدل الإنتاج إلى 2.8 مليون برميل يومياً. ويُتوقع أن تبذل إيران جهدها لإعادة مستوى الإنتاج إلى مستوياته السابقة، بالذات مع استعداد شركات النفط الدولية العمل ثانية في إيران لتطوير الصناعة البترولية.

ومن الفرضيات الشائعة، عدم توقع قيام السعودية ودول منتجة أخرى كبيرة في "أوبك" بتخفيض الإنتاج في عام 2016 لاستيعاب زيادة النفط الإيراني. هذا الأمر، قد يخلق مزاحمة في الأسواق وضغوطاً على الأسعار، وفي الوقت نفسه، وهو المهم، سيطلق العنان للمضاربين للتأثير في الأسعار في بورصات النفط العالمية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات