تطبيق ضريبة القيمة المضافة خليجياً

د. محمد عبدالرحمن العسومي: تطبيق ضريبة القيمة المضافة خليجياً

  • 21 سبتمبر 2015

فرضت التقلبات الحادة في أسعار النفط خلال الفترة الماضية مستجدات مالية جديدة على البلدان المنتجة والمصدِّرة للنفط كافة، بما فيها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فالمالية العامة التي اعتمدت عقوداً متعددة على عائدات النفط لا تستقيم والأوضاع الحالية أو المستقبلية في أسواق النفط الدولية.

لذلك لابد من اتخاذ إجراءات تستجيب لمتطلبات الأوضاع المستجدة في دول المجلس، وتأتي مسألة القيام بإصلاحات مالية في مقدمة هذه الإجراءات، إذ أضحى من المتعذر استمرار الاعتماد شبه التام على عائدات النفط لتمويل الموازنات السنوية، تلك العائدات التي تشكّل في معظم الدول 90% من إيرادات موازناتها السنوية، علماً بأن بعض البلدان حققت تقدماً مهماً على طريق تنوع التمويل، كدولة الإمارات العربية المتحدة، كما أن استمرار الدعم الحكومي بالأسلوب السابق بحاجة إلى إعادة نظر للتخفيف من أعباء الالتزامات الكبيرة وتخفيضها من جهة، وإيصال الدعم إلى مستحقيه من جهة أخرى.

وبالنسبة إلى الدعم، فقد اتخذت بعض دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية خطوات عملية مهمة، وخاصة في مجال المحروقات، كما أن دولاً أخرى في طريقها إلى اتباع النهج نفسه، الذي أثبت فاعليته وجدواه في فترة زمنية قصيرة، تلك الخطوات التي اتخذتها دول المجلس وفق ظروف كل منها ومتطلباتها الخاصة.

أما فيما يتعلق بالترتيبات الأخرى المتعلقة بالإصلاحات المالية، كفرض ضريبة القيمة المضافة، وهي مسألة في غاية الأهمية، فإن الأمر ربما يتطلب القيام بخطوة خليجية مشتركة ومتزامنة، وذلك بحكم الاندماج التدريجي للاقتصادات الخليجية والتنفيذ الفعلي لبعض بنود السوق الخليجية المشتركة، ما يعني ضرورة تقارب تكاليف الإنتاج بين دول المجلس للحفاظ على توازن توزع الاستثمارات واستقطابها بين دول المجلس.

وتعتبر ضريبة القيمة المضافة على المبيعات أحد أهم أركان النظام المالي في البلدان المتقدمة اقتصادياً، إذ إنها تشكل جزءاً مهماً من عائدات الدولة، ومن ثمّ فهي تساعد كثيراً على تقوية المركز المالي واستقرار الأوضاع المالية والنقدية التي يمكن أن تتأثر بشدة بسبب العجز في الموازنة العامة وارتفاع الدين العام، حيث عادة ما تسعى الدول إلى الاستدانة من خلال إصدار سندات أو صكوك لتغطية العجز أو سده.

ونظراً إلى انخفاض أسعار النفط بنسب كبيرة في الفترة الماضية، فإن الموازنات الخليجية معرضة لعجز في السنوات المقبلة، بل إن بعضها أعلن وجود عجز في موازنات العام المالي الجاري، ما يعني أن توجّه دول المجلس لفرض ضريبة القيمة المضافة بصورة جماعية يأتي في وقته المناسب، وخاصة أن هذه الدول لا تفرض أي شكل من أشكال الضرائب على الدخل، كما أن الأنشطة الاقتصادية والتجارية معفية من الضرائب على الأرباح تقريباً.

وسيعتبر نظام ضريبة القيمة المضافة، فيما لو اتفق عليه جماعياً في نطاق دول المجلس، تطوراً مهماً سيسهم في إعادة ترتيب عدد من القضايا المالية وسن تشريعات جديدة تستجيب لمرحلة التطور التي حققتها الاقتصادات الخليجية في السنوات الماضية، كما أن ذلك سيساعد على وضع تقديرات أكثر دقة لحجم الناتج المحلي الإجمالي في دول المجلس.

ومن المهم في هذا الصدد أن يتم تصنيف مختلف السلع التي ستشملها الضريبة الجديدة، بحيث يتم تحقيق أقصى استفادة ممكنة من جهة، والتقليل من تأثيراتها المباشرة على المستهلكين من جهة أخرى، حيث يمكن من خلال عملية التصنيف هذه استثناء بعض السلع الضرورية، كالمواد الغذائية والأدوية ومدخلات المواد الأولية لبعض المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تنوي دول المجلس دعمها في الفترة المقبلة لزيادة مساهماتها في الناتج المحلي وتوفير المزيد من فرص العمل.

أما بقية السلع، فإنه يمكن فرض ضريبة تصاعدية وفق أهميتها للمستهلك ومستوى ارتباطها بمستويات المعيشة باعتبارها سلعاً ضرورية أو كمالية، بحيث يتم التدرج في الأخذ بضريبة القيمة المضافة لتتراوح نسبة الضريبة في المرحلة الأولى ما بين 1% و3% ليتعود عليها المستهلكون، على أن ترفع تدريجياً بعد القيام بدراسات تقييم لمعرفة مدى تأثيرها في مختلف فئات المجتمع وفي الأوضاع المالية في دول المجلس بشكل عام.

صحيح أن ضريبة القيمة المضافة مرتفعة في البلدان الأوروبية والمتقدمة وتتراوح ما بين 7% و20% إلا أنها في الوقت نفسه تملك تاريخاً من التطبيق العملي المرتبط بتطور اقتصادات هذه الدول، ومرت بتجارب متعددة، إلا أن محصلتها النهائية كانت إيجابية إلى حدٍّ بعيد، فبعد الأزمة المالية العالمية الأخيرة اضطرت دول أوروبية متعددة إلى رفع نسبة القيمة المضافة للتقليل من تداعيات الأزمة على الأوضاع المالية، إلا أن دولاً منها عادت وخفّضتها مرة أخرى بعد استقرار الأوضاع هناك، ما يعكس أهميتها كأداة مالية يمكن من خلالها توجيه الموارد، وضبط بعض المؤشرات ذات الأهمية المالية والاقتصادية.

وبالتأكيد، فإن جزءاً من حصيلة ضريبة القيمة المضافة سيوجه إلى تطوير خدمات المرافق العامة، وتنفيذ مشروعات تنموية تسهم في زيادة معدلات النمو وتوفير فرص عمل جديدة، وهي مسألة مهمة للاقتصادات الخليجية ولنموها المستقبلي، ما يتطلب استجابة وتفهماً للاعتبارات التنموية والمالية والاجتماعية التي يمكن أن تتمخض عن تطبيق دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لضريبة القيمة المضافة؛ لتنضم بذلك إلى الدول المتقدمة في الأخذ بأحد أهم الأدوات المالية للاقتصادات الحديثة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات