تطبيقات التكنولوجيا الحديثة بين اعتبارات الأمن والحرية

  • 24 أغسطس 2010

لكل دولة حق مطلق في صيانة استقرارها وحماية أمنها وأمن مواطنيها بالطريقة التي تراها مناسبة؛ انطلاقاً من حقيقة راسخة مفادها أنه لا تنمية أو تقدم في كافة مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من دون أمن أو استقرار. وهذا الأمر لا جدال فيه؛ فالحفاظ على السيادة الوطنية وتحقيق الأمن والاستقرار لهما الأولوية، وما بعد ذلك مجرد هوامش يمكن التعامل معها، وفق ما هو متعارف عليه من تشريعات وإجراءات وسياسات في المجتمع.

ومع الاعتراف بأهمية وضرورة ضمان الحريات الشخصية للمواطنين، بما في ذلك حرية التعبير والتداول الحر للمعلومات، فإن ذلك لا يجب أن يكون مبرراً أو ممهداً لاختراق أمن الدول أو العبث باستقرارها أو المس بسيادتها. فالحرية ليست بلا قيود، وإلا صارت مرادفاً للفوضى، وأصبحت تشكل تهديداً للأمن الوطني والاستقرار المجتمعي. وإذا ما حدث أي تضارب أو تعارض بين اعتبارات الحرية والأمن، فالأولوية يجب أن تكون لاعتبارات الأمن، والدول المتقدمة والبلدان النامية في هذا الأمر على السواء. ففي الولايات المتحدة وأوروبا، سقطت كل الدعوات المطالبة بالحفاظ على الخصوصية وبالتدفق الحر للمعلومات، عندما هدد الإرهاب أمنهما الوطني. وذهبت هذه الدول إلى مدى بعيد في إجراءاتها الأمنية المتشددة، إذ اعتمدت في بعض مطاراتها تركيب أجهزة المسح الضوئي التي تكشف عن أدق خصوصيات الإنسان. وحين تعرضت الولايات المتحدة للهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001، انهارت كل التابوهات السياسية المتعلقة بحقوق الإنسان مع سقوط الأبراج. ورفعت هذه الدولة، التي توصف بأنها راعية حقوق الإنسان في العالم، راية الأمن الوطني على ما سواها، متجاوزة في ذلك كل القوانين الحقوقية في شتى المجالات. بل إن الولايات المتحدة طلبت من دول الاتحاد الأوروبي، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، قاعدة بيانات المسافرين إليها. ودار سجال حول هذا المطلب الغريب في حينه؛ لما فيه من انتهاك صارخ لخصوصية الملايين من الأفراد. وكان التبرير الأمريكي هو الحؤول دون حدوث مثل هذه الكارثة مرة أخرى؛ أي إن اعتبار الأمن الوطني فاق الاعتبارات الأخرى جميعاً.

وفي هذه الأيام، يتم تداول الحديث في شتى منظمات حقوق الإنسان حول قيام بعض الدول بممارسة حقها السيادي في الاطلاع على تدفق المعلومات ومتابعة الاتصالات عبر وسائل التقنية المعاصرة كالبلاك بيري وغيرها أو عبر شبكة الإنترنت؛ حفاظاً على أمنها الوطني وصوناً لاستقرارها المجتمعي. ودولة الإمارات ليست استثناء في هذا المجال، الذي يعلو فيه صوت مبررات حماية الأمن الوطني من عبث العابثين، سواء أكانوا من الإرهابيين أو التشكيلات الإجرامية أم من المنغمسين في نشر الشائعات وترويجها، على ما عداه. فحكومة الإمارات لم تقرر وقف بعض خدمات البلاك بيري إلا لمبررات موضوعية ومنطقية لا تتعلق بالجهاز ذاته، بل بإساءة استخدامه، وتجاوز بعض مستخدميه للخطوط الحمراء المتعلقة بالنظام العام والأمن الوطني، والتي لا يخلو منها أي مجتمع مهما كانت درجة انفتاحه على العالم.

فالقرار هنا للدولة وليس للفرد؛ لأن حريته في التعامل مع وسائل التكنولوجيا الحديثة لا تشمل حد الإخلال بالنظام العام أو الإضرار بالأمن الوطني أو تجاوز الصالح العام. فمن حق الدولة وضع هذا التعامل في سياقه الصحيح. فهنا تصبح الحرية العامة بيد السيادة، وإن ضاق الفرد بها فصالح المجموع أولى من صالح الفرد. فالحرية، قبل أن تكون مساحة للتعبير، هي مسؤولية مشتركة بين كل الأطراف في المجتمع. ومن ثم، فإن الخروج على المعتاد من القيم والعادات والتقاليد يعني إرباكاً في غير مكانه ووقته، وهو ما يحتاج إلى تدخل واع من الراعي الأكبر للمجتمع، والمتمثل في الدولة بقوانينها وقراراتها وسياساتها التي تواكب كل المستجدات، وإلا داهمت الفوضى أسس البنيان الآمن والمستقر.

ونضرب مثلاً بالمملكة المتحدة. ففي أوائل التسعينيات، عانت هذه الدولة الأمرين من القنوات الفضائية الهولندية غير المنضبطة أخلاقياً التي تعبر أجواءها، وتقتحم مخادع أبنائها الصغار خلسة من دون قيد أو عائق. وقد ضاق الآباء والأمهات ذرعاً لعدم قدرتهم على التحكم في سلوكيات الأبناء، ومنعهم من مشاهدة ما لا يتناسب مع أعمارهم، وضجوا بالشكوى إلى المسؤولين. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل رفع الأمر إلى البرلمان، الذي أصدر تشريعاً حاسماً منع البث العابث للقنوات الهولندية. ويحدث هذا بين دولتين لا يشك أحد في انفتاحهما على كل شؤون الحياة، والذي قد لا نتفق أحيانا معه. لكن بريطانيا كانت تمارس سيادتها لوقف النزيف اللاأخلاقي القادم عبر فضاء جارتها، ولم تلتفت إلى حجج داحضة تتصل بالدفاع عن حرية تدفق المعلومات في الفضاء المفتوح.

وتسعى الإمارات إلى ترشيد استخدام التقنيات الحديثة في مجال الاتصالات وليس منعها، وفقاً للمصلحة الوطنية التي لا علاقة بها بقضية حرية التعبير، والمكفولة صراحةً في دستور الدولة. ولو كان هدف الدولة هو المنع لما سمحت بإدخال تلك الأجهزة منذ البداية، إلا أن ذلك لم يكن في ذهن متخذي القرار أصلاً، ليس في هذا الموقف فقط، بل في كل موقف يتعلق بدخول تقنية جديدة إلى أرض الدولة منذ عقود. فالقرار الخاص بأجهزة البلاك بيري، كما أكدت الحكومة، لن يؤثر على مستخدمي هواتف ذكية أخرى من إنتاج نوكيا أو هاتف آي فون من إنتاج (آبل). وبالتالي، فإن قرار المنع ليس له علاقة بالاتجاه العام للدولة في استقطاب أرقى نظم المعلومات في العالم، وهو جزء من سياستها في الانفتاح على كل ما يطور من أدائها العام.

وفي الحقيقة، فإن جر الموضوع برمته ووضعه في سلة "حقوق الإنسان" و"حرية التعبير" يعني السماح بالإخلال بالأمن الوطني تحت هذه الذرائع، وهو ما لا يقر به عاقل. إن بين هذا وذاك خيطاً فاصلاً من حق الدولة رسمه. وليس على الفرد المتضرر من حجب المعلومة التي ترى أجهزة الدولة أنها ضارة بأمن المجتمع وثقافته التظلم، فضلاً عن نقض، هذا الحق السيادي؛ لأنه لا يملك الحق في ذلك، وإلا أصبح ممارساً لسلوك يجعل من نفسه مقابل الدولة أو دولة موازية. وهذا ما لا يتناسب مع قواعد السياسة العامة التي تنفذها الدول قاطبة، وفقاً لما تراه من حق للفرد وحق للدولة التي يسعها ما لا يسع الفرد. ومن المفارقات أن استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة في التواصل والاتصال، مثل أجهزة بلاك بيري وغيرها، من دون ضوابط محددة تتسق مع النظام العام في المجتمع يشكل اعتداء صارخاً على طائفة من حقوق الإنسان الأساسية، وعلى رأسها الحق في الخصوصية، وحقوق التنشئة الاجتماعية المقررة لجهات محددة على سبيل الحصر، وفي مقدمتها الأسرة.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل مطالب الإمارات ودول الخليج الأخرى تختلف عما قامت به الهند والصين وغيرهما من الدول في حق الحصول في الإشراف على تدفق المعلومات داخلها؟ لقد طلبت دولة الإمارات إلى الشركة المصنعة للجهاز (ريسيرش إن موشن) وضع تنظيم يوفر خوادم (سيرفرات) خاصة داخل الدولة يتيح للحكومة مراقبة حركة البيانات من منظور أمني، وهو الأمر نفسه الذي طالبت به الدولتان المذكورتان. وكان قرار الرفض من جانب الشركة المصنعة مفضياً وبطريقة واقعية إلى قرار المنع. ومن ثم، فإن ما نصادفه من لغط في هذا الجانب أمر غير مبرر؛ لأن ما حصل من إيقاف بعض خدمات البلاك بيري يندرج في حدود الممكن، ولا يتعارض مع مبدأ الحرية إذا ما روعيت المسؤوليات المترتبة على ممارستها، دون التلاعب بالألفاظ المطاطة والمصطلحات الغامضة. ثم إن المستخدمين لن يضرهم إن كانت الرقابة داخلية من خلال خوادم موجودة على أرض الدولة، أو خارجية عن طريق الخوادم الموجودة فيما وراء البحار، إذا لم تتعارض اتصالاتهم مع الأمن الوطني.

الحقيقة التي يجب التعامل معها عندما تطرح مثل هذه الإشكاليات حول أولوية الاعتبارات الأمنية ومدى تعارضها الظاهري أو المصطنع مع مبدأ الحرية، هي المضي وفق الخطوط المتوازية للوصول إلى ما يجنب الوطن الصدام مع بعض التيارات أو الأفكار، التي تستغل مساحات الحريات المتاحة في المجتمع لأغراض خارجة عن حدود الوطن ومصالحه المبنية أصلاً على وضع صمام الأمان لترسيخ جذور الأمن في المجتمع الذي لا يستقر إلا به. وكل إجراء يساهم في هذا الاتجاه هو عين الصواب، في زمن تعبث فيه يد التطرف والإرهاب بالأوطان، وتتربص بها العصابات الإجرامية التي تروج للمخدرات وتنشر الرذيلة. ولسنا هنا بصدد البحث عن أسانيد أخرى تقوي من هذا الطرح الموضوعي والمنطقي لمبدأ أولوية الأمن في جانبه السيادي؛ لأن المبدأ واضح بذاته، كما يقول الفلاسفة. بيد أن الغموض في استخدام مفاهيم الحرية، وخاصة حرية التعبير عن الآراء المختلفة والتدفق الحر للمعلومات، هو تلاعب لا يصمد أمام حقائق الحياة اليومية، وخاصة ما له ارتباط بمجال التقنيات المعاصرة وتطبيقاتها في مجال الاتصال. فحري بأي دولة أن تحدد موقفها كما فعلت الإمارات في وقف بعض خدمات "البلاك بري"، مستخدمة حقها السيادي في ذلك بدون تردد.

إن تطبيقات التكنولوجيا الحديثة في مجال الاتصالات لن تقف عند جهاز معين، ولهذا فإن مواصلة جهود الدولة في هذا الشأن لأي مستجد يدخل في باب الحيطة والوقاية من أي خرق يمكن أن يعرض الأمن الوطني للخطر، وهو واجب كل فرد يعيش آمناً على أرض الدولة، وهو مسؤولية مشتركة لدعم الأمن أولاً وأخيراً، وبقاء الوطن الغالي بعيداً عن أيدي العابثين أو المتربصين.

Share