تصوّرات مشوّهة لعمليّة السلام

  • 22 نوفمبر 2009

بدلاً من الرجوع إلى المرجعيّات الحقيقية لعملية السلام، والرضوخ لإرادة المجتمع الدوليّ التي عبّر عنها بوضوح خلال الفترة الأخيرة بشأن قضية الاستيطان، فإن إسرائيل تصرّ على المضيّ قُدماً في الابتعاد بالعملية السلمية عن مساراتها ومرجعيّاتها الطبيعية عبر تصوّرات ومقترحات مشوّهة تعمل من خلالها على الالتفاف على الضغط الدولي الذي يمارس عليها بسبب مواقفها المعوقة للسلام والمناهضة له، ولعل المبادرة المشتركة للرئيس الإسرائيلي، شيمون بيريز، ووزير الدفاع، إيهود باراك، التي تحدثت عنها وسائل الإعلام الإسرائيلية، مؤخراً، تعتبر مثالاً واضحاً على هذه المحاولات الالتفافية التي لا تستهدف سوى إضاعة مزيد من الوقت وتخفيف الضغط على إسرائيل لتمكينها من تنفيذ مخطّطاتها في "تهويد القدس" وزرع المستوطنات في كل مكان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ثمّ تصفية القضية وطيّ صفحتها. فقد اقترحت هذه المبادرة إقامة دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة على نصف مساحة الضفة الغربية في المرحلة الأولى، على أن تشمل المرحلة الثانية مفاوضات حول دولة بحدود دائمة مع اعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل، وذلك في إشارة إلى رفض عودة اللاجئين.

لقد بدأت مسيرة السلام منذ "مؤتمر مدريد" عام 1991، وخلال هذه السنوات كلها لم تكفّ إسرائيل عن المراوغة وطرح التصوّرات المبتورة والبعيدة كل البعد عن روح السلام أو أهدافه، في حين ظلّ العالم العربي متمسكاً بالسلام كخيار استراتيجي، قولاً وفعلاً، وملتزماً المرجعيات والقرارات التي شهد العالم كله عليها، إضافة إلى الأمم المتحدة، وقدّم خطة للسلام في "مؤتمر القمة العربية" في بيروت عام 2002، قامت على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، إلا أن تجربة السنوات الماضية تؤكّد أن إسرائيل تريد "السلام الإسرائيلي" من دون الانسحاب من الأرض، وأنها كانت تنظر إلى فترة المفاوضات على أنها مجرد مهلة أو هدنة تستطيع خلالها تغيير المعطيات الجغرافية والديمجرافية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، حتى يمكنها أن تفرض رؤاها وشروطها في ما يتعلق بحدود الدولة الفلسطينية المأمولة وطبيعتها.

ليس مطلوباً في عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية الرجوع بكل شيء إلى المربع الأول من جديد، لأن المرجعيات واضحة ومحدّدة، والخطط موجودة ومفصلة، والالتزامات المقررة على كل طرف لا لبس فيها، ويبقى التزامها واحترامها من قبل الجانب الإسرائيلي فقط، بدلاً من إثارة اللبس من خلال مقترحات مكررة عن دولة فلسطينية مؤقتة سبق أن تم رفضها بقوة لأنها تخالف روح السلام ولا تفي بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

في ظل الضغط الدولي عليها بسبب الاستيطان، والتوجّه الفلسطيني لإعلان الدولة من جانب واحد، تجد إسرائيل نفسها في موقف صعب تحاول الخروج منه من خلال سياسة توزيع الأدوار التي تتقنها تماماً، وطرح الخطط غير الواقعية التي تعرف هي قبل غيرها أنها لا تمتلك أي فرصة للتنفيذ. لقد وصلت عملية السلام إلى منعطف حرج يحتاج إلى تدخل قوي وغير مسبوق من قبل المجتمع الدولي لإخراجها من عنق الزجاجة ووضع حدّ لمراوغات إسرائيل وسياساتها العدوانية التي لم تتوقّف منذ "مؤتمر مدريد".

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات