تصويت اقتصادي وهواجس اجتماعية وآثار سياسية

  • 17 سبتمبر 2003

في الاستفتاء الذي جرى الأحد الماضي، صوّت الناخبون السويديون بنسبة كبيرة ضد الانضمام إلى منطقة اليورو، إذ رفض نحو 56,1% من الأصوات اعتماد العملة الأوروبية الموحدة في الاستفتاء، فيما أيد 41,8% هذا الاتجاه في مشاركة انتخابية عالية بلغت نسبتها 81,2%، والمفاجأة في نتيجة هذا الاستفتاء أنه جاء بعد ساعات قلائل من اغتيال وزيرة الخارجية السويدية، آنا ليندا، التي كانت على رأس حملة الدفاع عن انضمام بلادها إلى منطقة اليورو، والتي كان اغتيالها برهانا جديدا على أنه -في السويد وفي غيرها من دول العالم- يتحوّل التعصب الأعمى لقضية ما إلى وحشية كما قالت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية، إذ إن الجريمة وقعت في السويد، وهي التي اشتهرت بكونها "الدولة الفضلى" حيث لامكان للعنف لا في السياسة ولا في مجتمعها المنفتح، ولكن السويد التي "فقدت وجهها أمام العالم" كما قال رئيس وزرائها، تغلبت على أحزانها ومضت في إجراء الاستفتاء على أمل أن يستنهض اغتيال الوزيرة ذات الشعبية الواسعة تعاطف الناخبين لدعم التوجه نحو "اليورو"، وأن تشكل صدمة اغتيالها تحولا -ولو طارئا- في اتجاهات الرأي العام نحو اليورو، وكانت المفاجأة في أن اغتيال آنا ليندا لم يؤثر في نتيجة التصويت.

ويرى بعض المراقبين، أن النتيجة هي "تصويت اعتراضي" على النخبة السياسية وعلى الطبقة السياسية الحاكمة وإعلان عدم ثقة بمنظومة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، وبمعنى آخر -حسب هؤلاء- فإن التصويت بالرفض في جوهره ليس سوى تأكيد على توجه السويديين الحذر حيال العمل الأوروبي المشترك، وهو توجه برز عام 1994 عندما نجح استفتاء الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة ضئيلة، ثم ظهرت بعد ذلك "أعراض" التململ من التوجه الأوروبي، لأن الناخبين السويديين الذين يتمتعون بأفضل مقدرة شرائية في أوروبا وبمستوى معيشي مرتفع جداً، أخذوا يكتشفون تدريجياً عدم تحقق الوعود التي أعطيت لهم بخفض الأسعار في حال الانضمام إلى أوروبا. ويرى آخرون أن االسويديين حذرون نتيجة التعثر الاقتصادي في منطقة اليورو ومشاكل بعض الدول الأعضاء مع تطبيق "ميثاق الاستقرار الاقتصادي". وفي مجمل الأحوال فقد برهن الناخب السويدي عن قلقه إزاء ضياع النموذج السويدي المتميز بالرخاء الاجتماعي في حال اعتماد اليورو، حيث كانت السويد في طليعة الدول التي هيأت لمواطنيها المساواة والعدالة ورعاية المسنين والضمان الاجتماعي، ويبدو أن حماس رئيس وزرائهم الحالي لليورو لم ينسهم قوله قبل سنوات إن "اليورو مشروع مغامرة كبيرة".

إذا كان رفض اليورو يعكس مخاوف السويديين وهواجسهم حيال الرفاه الاجتماعي، فإن تصويتهم السلبي ربما يخلف آثارا إقليمية تتعلق باحتمالات تأثر الرأي العام البريطاني وكذلك الدنماركي بهذه النتيجة وتزايد الاتجاه الرافض لليورو في هذين البلدين اللذين لم ينضما بعد إلى مسيرة اليورو، كما غاب عن الناخب السويدي بالطبع أن عدم اللحاق بركب اليورو سيفقد بلادهم بعض تأثيرها في سياسات الاتحاد الأوروبي، ولعل رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي كان واضحا في رده على سؤال، حول ما إذا كان نفوذ السويد داخل الاتحاد سيضعف جراء هذا التصويت بقوله "بالتأكيد نعم".

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات