تصعيد لافت في شرق آسيا

  • 26 فبراير 2003

لم تكد قدما وزير الخارجية الأمريكي كولن باول تطأ أرض العاصمة الكورية الجنوبية سيئول للمشاركة في حفل تنصيب الرئيس الكوري الجنوبي المنتخب روه مو هيون، وقبل ساعات من أداء الرئيس الجديد اليمين الدستورية كي يصبح الرئيس السادس عشر لبلاده، لجأت كوريا شمالية إلى إجراء تجربة صاروخية عبر بحر اليابان، في خطوة تنطوي على رسالة تهديد واضحة لجيرانها من حلفاء الولايات المتحدة. واللافت في إدارة كوريا الشمالية للأزمة الراهنة أن هناك تصميما على المضي في سياسة "حافة الهاوية" حيث جرت هذه التجربة الصاروخية بعد أيام قلائل من اختراق مقاتلة كورية الشمالية المجال الجوي للشطر الجنوبي وتهديد الجيش الكوري الشمالي بالانسحاب من الهدنة التي أنهت الحرب الكورية. ومن اللافت أيضا أن تتصاعد تهديدات كوريا الشمالية في وقت يبدي فيه الرئيس الكوري الجنوبي الجديد حماسا شديدا لإنهاء ما يوصف بالتنافس الإقليمي المدمر بين الكوريتين.

والجانب الأهم في التصعيد الكوري الشمالي بالنسبة إلى الولايات المتحدة أن خطوة كهذه تأتي في توقيت بالغ الحساسية في إدارة الأزمة العراقية، حيث يفترض أن تكرس الدبلوماسية الأمريكية كامل طاقاتها لحشد الإجماع اللازم لدعم مشروع القرار الثاني بشأن العراق، فلم تكن واشنطن بحاجة مطلقا إلى صرف الأنظار -ولو لحظة واحدة- عما تصفه بالخطر الذي يمثله النظام العراقي، ولم تكن أيضا بحاجة إلى تصرف قد يدعم -ولو جزئيا- موقف جبهة رافضي الحرب سواء داخل مجلس الأمن أو خارجه، لكن كيم يونج آيل الزعيم الكوري الشمالي الأقرب إلى التأثير في الأمن الاستراتيجي الأمريكي أراد بث رسالته مستغلا تسليط بعض الأضواء الإعلامية على ماليزيا وسيئول حيث قمة عدم الانحياز وتنصيب الرئيس الكوري الجنوبي الجديد، وهكذا تحاول كوريا الشمالية خطف الأضواء من العراق وتفتح -دون قصد منها- جبهة إسناد محدودة للملف العراقي، ولكن سياسة "حافة الهاوية الذرية"، كما وصفها محمد البرادعي المدير العام لوكالة الطاقة الذرية، قد لا تجدي في تحقيق أهدافها في ظل سياسات الإدارة الأمريكية التي تتحسب لمثل سيناريو كهذا عبر عقيدة استراتيجية قائمة على شن حربين إقليميتين متزامنتين في آن واحد.

يرى الخبراء أن اختبار القوة الجديد الذي تمارسه كوريا الشمالية قد يمنح محور رفض الحرب في العراق المكون من فرنسا وألمانيا دعما لموقفهما التفاوضي خلال مناقشة مجلس الأمن لمشروع القرار الأمريكي-البريطاني الثاني حول العراق انطلاقا من صعوبة تبرير أي تباين في نهج تعاطي المجموعة الدولية مع مسألة واحدة وهي انتشار أسلحة الدمار الشامل، ولكن تجربة المهارات العسكرية الكورية في ممارسة سياسة "حافة الهاوية" تبدو محفوفة بالمخاطر فقد تعزي هذه السياسة واشنطن على التفاوض مع بيونج يانج من دون قيد أو شرط، وبالمقابل أيضا قد تنطوي هذه "اللعبة السياسية" على مفاجآت استراتيجية على اعتبار أن أحد طرفيها القوة العظمى الوحيدة في العالم والطرف الآخر دولة منغلقة تقودها سياسات غامضة ما يعني أن النتائج المترتبة على سوء الإدراك والحسابات معروفة مسبقا للجميع.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات