تصعيد سياسي غير مبرر

  • 10 ديسمبر 2002
أصابت كلمات سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الإعلام والثقافة كبد الحقيقة عندما وصف سموه خطاب الرئيس العراقي صدام حسين إلى الشعب الكويتي بأنه "متناقض ومليء بالمغالطات" ولم يبالغ أيضًا أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية عبد الرحمن العطية عندما اعتبر الخطاب بأنه "مخيب للآمال"، فالرسالة التي تضمنت في ظاهرها ما تعتبره القيادة العراقية "اعتذارًا" للشعب الكويتي، قد أعادت إلى الأذهان الخطاب السياسي العراقي العقيم الذي يراهن على حسابات سياسية خاطئة، ويرتكن في جوهره إلى سياسة "حافة الهاوية" ويعمل وفق حسابات اللحظة الأخيرة التي تمليها هذه السياسة، رغم أن هذا المنطق وتلك الرهانات والحسابات قد أثبتت للنظام العراقي فشلها في مواقف أخرى عديدة. وهذا الخطاب يعبر أيضا -خير تعبير- عن مفهوم "سوء الإدراك" في علم إدارة الأزمات حيث تميل قيادة سياسية ما إلى تبني قرارات وسياسات غير مدروسة متجاهلة بيئة الصراع المحيطة بها.

واللافت أن الهجوم العراقي الحاد على قيادات دولة الكويت يأتي في وقت يبدو فيه العراق أحوج ما يكون إلى دعم الدول العربية والإسلامية، وتلك مسألة زج بها في دوامة غير معروفة الاتجاهات والأبعاد بعد "سيناريو الكارثة" الذي اعتمدته بغداد في خطابها الأخير للشعب الكويتي، وما يلفت الانتباه أكثر أن هذا الخطاب قد صيغ -أيديولوجياً ومنهجياً- بحيث يقترب من الخطاب الفكري الذي تتبناه التنظيمات الراديكالية التي ينبذ المجتمع الدولي بأكمله نهجها وتوجهاتها، فالإشادة بالاعتداءات والهجمات التي تشنها عناصر ضالة -أو مضللة- في هذه الدولة أو تلك لا يعكس بأي حال فهم التحولات والمتغيرات الاستراتيجية التي يمر بها العالم منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فما بالنا وهذه الإشادة تصدر عن نظام سياسي يتهم بممالأة الإرهاب والتعاون مع عناصره وتنظيماته.

ومن الغريب أن يغامر النظام العراقي بمحاولة " تأليب" الشعب الكويتي على قيادته وهو يدرك تماماً أن جروح هذا الشعب التي عاناها جراء احتلال أراضيه في أغسطس 1990 لم تندمل بعد، وأن أسراه ومرتهنيه لا يزالون طي النسيان وغياهب سجون النظام العراقي، والأدهى من ذلك أن "رسالة الاعتذار" لم تتضمن ما تعارفت عليه التقاليد والأعراف الدبلوماسية في حالات كهذه، بل أصرت على تزييف الحقائق وخلط الأوراق والعبث بمقدرات الشعوب وأمنها واستقرارها عندما اعتبرت مجدداً أن غزو الكويت لم يكن سوى "دفاعاً مشروعاً عن النفس ".
خطاب الرئيس العراقي إلى الشعب الكويتي هو مغامرة سياسية بكل المقاييس، وهي خطوة غير مدروسة أو محسوبة العواقب. والمأمول ألا تمضي بغداد في رهاناتها الخاسرة وتدرك حسابات الواقع الدولي، وتدرك أيضا أنه إذا كان أمامها فرصة لإنقاذ الشعب العراقي من ويلات الحرب فهي بالفعل "الفرصة الأخيرة" حسب بنود القرار رقم 1441، ومن الضروري أن يدرك النظام العراقي أن هذه الأفعال والسياسات تشوش على بيئة العمل المحيطة بمهمة فرق التفتيش وتغذي أجواء الإحباط واليأس وتضعف هامش المناورة المتاح أمام القوى المحبة للسلام إقليمياً ودولياً.
شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات