تصعيد إسرائيلي "مدروس"

  • 11 أغسطس 2003

من الخطأ تصور أن التصعيد الإسرائيلي الأخير داخل الأراضي الفلسطينية يأتي فقط ضمن سياسة العمليات الوقائية التي يروّج لها رئيس الوزراء آرييل شارون، حيث يشير فهم البيئة السياسية الراهنة إلى أن شارون قد أراد نسف أي فرص قد تسهم في نجاح الجهود التي يبذلها رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) لتمديد الهدنة إلى أكثر من ثلاثة أشهر، إذ بذل أبو مازن في الآونة الأخيرة جهوداً كبيرة في هذا الاتجاه وعقد سلسلة من اللقاءات مع قادة الفصائل الفلسطينية. إسرائيل تدرك من جانبها أن مواصلة سياسة الاغتيالات ولو بدرجة محدودة ووفق تكتيك مدروس ستدفع التنظيمات الفلسطينية إلى الرد انطلاقاً من أنه لا هدنة من طرف واحد وليس من المنطقي أن تسمح حكومة شارون لنفسها بمواصلة التشدد والاعتداءات فيما ينبغي على التنظيمات الفلسطينية الالتزام بتعهداتها والحفاظ على الهدنة. وإذا كانت الصحف الإسرائيلية تصف سياسة أبو مازن الهادئة تجاه التنظيمات الفلسطينية بـ "مصيدة العسل" التي تجتذب إسرائيل والولايات المتحدة نحو "شرك خداعي" فإن ما يجب أن تفهمه إسرائيل هو أن الرهان الأقوى سيظل على تغيير مزاج الشارع الفلسطيني، حيث تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن نحو 60% من الفلسطينيين يؤيدون استمرار الهدنة، فالتنظيمات الفلسطينية بالأساس تستند في فاعليتها إلى دعم شعبي وتحرص على تفادي ممارسة أي سلوك يتعارض مع المزاج العام، وهذه هي المعادلة السياسية الصحيحة التي تراهن عليها حكومة أبو مازن، وهي معادلة ينبغي أن تراهن عليها أيضاً حكومة شارون.

استقراء تاريخ شارون يؤكد أنه لن يقوى على تحمل الهدوء النسبي في العلاقة مع الفلسطينيين، فهو يجيد تحويل الأنظار في الداخل أو الخارج عن حدث معين عبر افتعال معارك جانبية أو تأجيج الصراعات وإشعال المعارك، وفي هذا الإطار أيضاً لم يكن خرقه للهدنة واستئناف عملياته التصعيدية ضد قادة التنظيمات الفلسطينية سوى محاولة للتشويش على تحفظات الإدارة الأمريكية حيال الجدار الفاصل، إذ يرغب رئيس الحكومة الإسرائيلية في تأكيد صحة توجهاته في هذا الإطار، كما أن شاورن يرغب في انهيار الهدنة من أجل "تسويق" مزاعمه القائلة بأنه لا يجد "شريكاً سياسياً مناسباً" كي يقدم ما يصفه بـ "التنازلات المؤلمة" من أجل التسوية، وهدفه الأساسي كسب الوقت إدراكاً منه أن التسويف والتأجيل حتى اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية كفيلان بتجميد "خارطة الطريق" حتى إشعار آخر، خصوصاً بعدما نجح أبو مازن خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في "هدم مكانة شارون الاحتكارية في البيت الأبيض" بتحويل الجدار الفاصل إلى "شوكة مزعجة" بين واشنطن وتل أبيب، كما تقول صحيفة "هآريتس".

شارون الذي اعترف الإثنين الماضي في لحظة نادرة قائلاً "لم نعط أي شيء للفلسطينيين" يثبت يوماً بعد يوم أنه لا يمتلك الإرادة السياسية اللازمة لتحقيق السلام والاستقرار، وعندما تفشل جهود استئناف عملية السلام وتتجدد أعمال العنف فسيكون على شارون والشعب الإسرائيلي أن يدفعا الثمن الأكبر للخطأ السياسي في فهم حركة التاريخ.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات