تصاعد خطر الانتشار النوويّ

  • 27 مايو 2009

في الوقت الذي يعمل فيه العالم على مواجهة خطر الانتشار النوويّ من خلال إجراءات وتدابير مختلفة، فإن هذا الخطر لا يكفّ عن التصاعد باستمرار، ولعل التجربة النووية الأخيرة لكوريا الشمالية تؤكّد هذا الأمر بوضوح، إضافة إلى الكثير من الحالات التي يتمّ فيها تحدّي النظام الدولي لمنع الانتشار النووي بشكل مباشر دون أن يكون قادراً على وضع حدّ لهذا التحدّي.

منذ فترة قصيرة حذّر المدير العام لـ "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، محمد البرادعي، ممّا سمّاه »انفلاتاً نووياً« في العالم إذا لم يتمّ التحرّك بقوة وسرعة من أجل السيطرة على خطر الانتشار النوويّ، وأشار إلى أن عدد الدول النووية يمكن أن يزداد بمعدل الضِّعف خلال سنوات قليلة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وأن "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" تتلقّى سنوياً نحو 200 حالة خاصة بعمليات الاتّجار غير المشروع في المواد النووية، وأن النظام الدولي الراهن الخاص بالسيطرة على الأسلحة النووية ومنع انتشارها يواجه خطر الانهيار.

إن التجربة النووية التي أجرتها كوريا الشمالية، مؤخراً، وما يحدث على الساحة الدولية فيما يتعلّق بانتشار أسلحة الدمار الشامل، خاصة النووية منها، يؤكّد، بما لا يدع مجالاً للشك، أمراً أساسيّاً، هو أن النظام الخاص بحظر الانتشار وآلياته المختلفة قد ثبت أنها غير قادرة على مواجهة الرغبة الكبيرة لدى الكثير من الدول في امتلاك أسلحة نووية تمثّل عنواناً للسطوة والهيبة، وبالتالي لا بدّ من مراجعة هذا النظام ووضع اليد على مكامن الخلل فيه خلال الفترة المقبلة، خاصة أن المؤشرات تؤكّد أن الضعف الذي يلحق به يتّسع مع مرور الوقت، بحيث سيؤدّي به في النهاية إلى مجرد مجموعة من المواثيق والترتيبات عديمة القيمة من الناحية العملية، ولا يمكنها أن تؤثّر بشكل حقيقي في حالة الانتشار النووي على الساحة الدولية.

كلما زاد عدد الدول التي تمتلك السلاح النووي على الساحة الدولية تراجعت معدلات الأمان والاستقرار في العالم، وعلى الرغم من أن الانطباع السائد هو أن المواجهات النووية لم تعد ممكنة في ضوء الدمار الشامل الذي يمكن أن ينتج عنها، فإن كثرة التوترات والصراعات السياسية، واختلاط الأمور السياسية بالاعتبارات الدينية والمذهبية، واحتمالات عدم الرشد السياسي في اتخاذ القرارات إضافة إلى اعتبارات التطرف، الديني أو السياسي، كلّها عوامل تجعل استخدام الأسلحة النووية في الصراعات السياسية احتمالاً قائماً، خاصة مع وجود بعض الأنواع التكتيكية لهذه الأسلحة التي يمكن استخدامها دون إحداث دمار شامل. ويزداد الأمر خطورة حينما يتعلّق بسعي بعض المنظّمات والجماعات الإرهابية إلى امتلاك أسلحة دمار شامل، بما ينطوي عليه ذلك من أبعاد كارثية إذا ما استطاعت هذه القوى الحصول عليها وإذا ما قرّرت استخدامها. ولا شك في أن السوق السوداء للمواد النووية، التي تكشّفت بعض ملامحها خلال السنوات الماضية، تمثّل أحد التجليات المهمّة لفشل النظام الدولي في منع الانتشار، وهو النظام الذي أصبح يواجه اختباراً قويّاً لا يمكنه الصمود فيه إلا من خلال مراجعة شاملة له.

Share