تسونامي التغيير في المنطقة العربية.. أسبابه وآفاقه المستقبلية

  • 23 مارس 2011

أجرى موقع المركز على شبكة الإنترنت مقابلة حصرية مع سعادة السفير الدكتور ناصيف حتي، رئيس بعثة جامعة الدول العربية في فرنسا والمندوب المراقب الدائم للجامعة لدى منظمة اليونسكو، ناقش فيها عدداً من القضايا المتصلة بالتحولات السياسية والاستراتيجية التي يشهدها العالم العربي، وانعكاساتها على المنطقة وعلى الدور المستقبلي لجامعة الدول العربية. وقد أُجريت هذه المقابلة على هامش مشاركة سعادته في فعاليات المؤتمر السنوي السادس عشر للمركز “التطورات الاستراتيجية العالمية: رؤية استشرافية”، الذي عقده المركز، في الفترة من 21-23 مارس 2011. وفيما يلي نص المقابلة.

س: ما هو تقييمكم للتحولات التي تشهدها المنطقة العربية حالياً من حيث أسبابها وآفاقها المستقبلية؟

ما تشهده المنطقة العربية حالياً يمكن وصفه بأنه “تسونامي تغيير” انطلق من تونس ووصل إلى مصر ثم انتشر في باقي الدول العربية. ورغم أن لحظة تفجره، ولاسيما في تونس، لم تكن متوقعة، فإن حدوثه لم يكن مفاجئاً للمتابعين، فالغيوم الملبدة والمؤشرات الدالة كانت كثيرة. أما من حيث مسبباته، فيمكنني أن أشير إلى ثلاثة عوامل أساسية:
الأول، وهو العامل الديمغرافي؛ فالدول العربية لم تتنبه إلى حقيقة أن ما يقرب من 50% من سكانها هم من فئة الشباب الذين تقل أعمارهم عن 24 عاماً، طبقاً لتقرير التنمية البشرية لعام 2009، وهذا يعني أنه كانت هناك حاجة كبيرة ومتزايدة إلى خلق فرص عمل ووظائف لهؤلاء الشباب المعولمين بثقافتهم واطلاعهم على ما يدور في العالم من تحولات، لكن المشكلة لم تكن تكمن فقط في الحاجة إلى فرص عمل وتشغيل، فهناك مطالب مهمة أخرى تتعلق بحق الشباب في المشاركة السياسية، وأن يسمع صوتهم أسوة بما يحدث في مناطق العالم المختلفة. ومن ثمّ،  كان هناك نوع من الصدام بين نمط التنمية المتعثرة المطبق في العديد من الدول العربية وبين متطلبات هذا الشباب الحالم بالديمقراطية والراغب في الحياة بحرية وكرامة.

العامل الثاني، يتمثل في القطيعة التي كانت حادثة بين الحكومات، بدرجات متفاوتة، من جهة وبين الشعوب العربية، من جهة أخرى. وكنت قد تحدثت في السابق عن خطورة هذا الأمر وعن الحاجة إلى صياغة عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع، أو تجديد العقد الاجتماعي القائم، بحيث يقوم على فكرة المواطنة الكاملة واحترام كافة حقوق وحريات المواطنين، وذلك لتجنب تفاقم مشاعر الغضب والإحباط والتهميش في الشارع العربي.

أما العامل الثالث، فيرتبط بنمط التنمية غير المتوازن في المنطقة، وهذا بطبيعة الحال يختلف من بلد إلى آخر. فقد كان هناك دوما اهتمام متزايد بالأرقام والإحصائيات التي تشير إلى ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، لكن التنمية الحقيقية لا تتعلق فقط بالأرقام والإحصائيات، فالمهم هو كيفية توزيع عوائد هذه التنمية على مختلف قطاعات المجتمع، فهذا لم يكن يحدث بشكل متوازن الأمر الذي خلق خللاً هيكلياً أضر بالقطاعات الإنتاجية التي توفر فرص العمل الحقيقية، وقاد إلى التركيز على الرأسمالية المالية غير المنتجة وغير الخالقة للوظائف والأصول الحقيقية، والتي أدت بدورها إلى تركز الثروات في أيدي فئات قليلة من الأفراد، خاصة من المحسوبين على الأنظمة الحاكمة، الأمر الذي زاد من مشاعر الغضب والإحباط لدى الشباب الباحث عن الحرية والعمل.

هذه العوامل الثلاثة هي المحركات الأساسية لما شهدته وتشهده الساحة العربية من تحركات وثورات تطالب بالتغيير وتسعى إليه، لكن ما أود تأكيده هنا هو أن ما يجمع بين هذه الثورات والانتفاضات العربية هو الرغبة في التغيير وتأكيد حق المواطنين في المشاركة والكرامة الإنسانية، مع الاعتراف بأن هناك خصوصيات لكل دولة عربية، لكن من دون أن ينفي ذلك الحاجة إلى التغيير وإلى التنمية السياسية والإنسانية الشاملة في كافة أرجاء العالم العربي.

وفيما يتعلق بالآفاق المستقبلية لما تشهده الساحة العربية حالياً من حراك شعبي، فأنا أعتقد أن كثيراً من الحكومات العربية عليها أن تفكر جيداً في هذه اللحظة الممتدة، وأن تسارع إلى القيام بمشروعات إصلاحية عاجلة تجنبها ما حدث في مصر وتونس. وكما أشرت سابقاً، هناك خصوصيات في كل مجتمع، وهذه الخصوصيات هي التي تحدد أولويات كل مجتمع في الإصلاح والتغيير. ويجب أن نكون مدركين أن الإصلاحات لا تحدث في ساعات قليلة وأنها قد تأخذ بعض الوقت، لكن المهم هو أن يتم إطلاق مسار إصلاحي واضح وشفاف يراعي تلبية وتنفيذ أولويات كل مجتمع في الإصلاح على أن يتم ذلك بمشاركة فاعلة وحقيقية من كافة شرائح المجتمع، فالشعوب لا تنتفض لمجرد الرغبة في الثورة والانتفاضة، وإنما لتحقيق أهدف ومطالب مشروعة، وإذا تم التعامل بجدية مع هذه المطالب ستتوقف التحركات الشعبية، المهم هو الجدية في التعامل مع هذه المطالب وعدم الالتفاف عليها، فالشعوب أصبحت واعية ومدركة ولا يمكن الالتفاف حول مطالبها، وأي تأخير في إحداث الإصلاح المنشود يترتب عليه دوماً، حدوث ارتفاع في سقف المطالب الشعبية، كما حدث في الحالتين التونسية والمصرية.

س: في تقديركم، ما هو تأثير ما يحدث في الساحة العربية حالياً على أداء جامعة الدول العربية ودورها الإقليمي؟

ما حدث ويحدث في الساحة العربية الآن انعكس بشكل مباشر على جامعة الدول العربية، حيث رأينا خطاباً جديداً لم نعهده من قبل، ولغة جديدة في قرارات وخطابات الجامعة لم نكن نعرفها قبل ذلك، ويمكن التذكير فقط بأن الحديث عن الإصلاح السياسي والديمقراطي في المنطقة كان بمنزلة “الكفر” ونوعاً من المحظورات. أما الآن فالوضع تغير، فللمرة الأولى يتم تعليق مشاركة عضوية دولة عربية في الجامعة (ليبيا) بسبب تعدي النظام الحاكم فيها على المدنيين داخل هذه الدولة. هذا التوجه الجديد حدث لأن هناك رأياً عاماً واعياً ومدركاً وثائراً داخل الدول العربية لا يقبل بمثل هذه الانتهاكات. ولاشك في أن جامعة الدول العربية بوصفها منظمة إقليمية إنما تعبر عن واقع الدول العربية، وما تشهده هذه الدول حالياً من حراك شعبي إيجابي يسعى إلى إحداث تغييرات سياسية وديمقراطية ملحوظة في نظمها السياسية سينعكس حتما على السياسة الخارجية لهذه الدول، ومن ثم على أداء الجامعة العربية وعلى العمل العربي المشترك.

س: كيف تقيمون موقف جامعة الدول العربية من تطور الأحداث في ليبيا؟ وكيف ترون مستقبل الوضع في هذا البلد بعد التدخل الدولي العسكري ضد نظام العقيد معمر القذافي؟

لقد أوضحت الجامعة العربية موقفها من تطور الأحداث في ليبيا بعد الجدل الذي أثارته تصريحات الأمين العام للجامعة عمرو موسى التي انتقد فيها الضربات العسكرية الغربية ضد ليبيا؛ حيث أكد موسى أن الجامعة العربية تحترم قرار مجلس الأمن رقم 1973 الذي فرض حظراً جوياً وفوض بعمل عسكري في ليبيا لحماية المدنيين. ويجب ملاحظة أن هذا القرار تم صناعته داخل أروقة جامعة الدول العربية، وبتوافق كامل بين الدول العربية. صحيح أنه كانت هناك تحفظات ومخاوف لدى بعض الدول في هذا الصدد، لكنها لم تخرج عن هذا التوافق العام. ونحن نتفهم مخاوف كافة الدول العربية، لكن الهدف كان واضحاً وهو حماية المدنيين في ليبيا، والعمل العسكري الذي بدأ تنفيذه ضد النظام الليبي هو جزء من تحقيق هذا الهدف، مع التشديد على ضرورة توخي الحذر الكامل لتجنب سقوط أي مدنين جراء هذه الأعمال العسكرية، وقد كنا مصرّين في الجامعة العربية، عبر مندوب لبنان في مجلس الأمن، على تضمين هذا الأمر في قرار مجلس الأمن 1973، الذي لا يسمح بأي غزو أو احتلال للأراضي الليبية، كما أكدنا ضرورة أن يتم أي عمل عسكري تحت سقف قرار هذا القرار المتخذ طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وبموجب قواعد القانون الدولي.

أما على صعيد تطور الأحداث في ليبيا، فلدي مخاوف كبيرة جداً مما قد يؤول إليه الوضع في هذا البلد، وأرجو أن يتوقف العنف الذي تقوم به السلطات الليبية ضد الشعب الليبي اليوم قبل غدا. وهذه المخاوف مصدرها طبيعة التركيبة السياسية والقبلية في المجتمع الليبي، فالنظام الحالي في ليبيا خلق حالة من التصحر السياسي في البلاد، حتى إنه لا توجد حالياً أي مؤسسات سياسية فاعلة، يمكن أن تقود البلاد بشكل جيد خلال المرحلة الانتقالية، ولهذا السبب، فالمخاض الليبي سيكون أصعب من المخاضين المصري والتونسي. كما أخشى أن تدخل ليبيا في حالة من العنف المستمر ما لم يتم حسم الأمر سريعاً، وهناك مسؤولية أساسية وكبيرة على أهل البيت العربي لإخراج ليبيا من المأزق الراهن.

س: ما هو تقييمكم للوضع في الساحة اليمنية؟ وهل تعتقدون أن هناك مخاطر تهدد وحدة هذا البلد في حالة سقط النظام الحالي؟

دون شك هناك مخاوف كبيرة مما يحدث في الساحة اليمنية، وهناك تحركات سياسية في الجامعة العربية لعقد اجتماع على المستوى الوزاري لمناقشة الأزمة السياسية في اليمن، وقد يعقد الاجتماع، إن لم يبق مفتوحاً، عدة مرات وذلك من أجل متابعة تطورات الأوضاع المعقدة والحساسة في هذا البلد. ومخاوفي بشأن هذا البلد ترجع إلى تاريخه الحديث وما شهده من حروب داخلية تحت مسميات مختلفة كانت تهدد بحدوث نوع من الانشطار العمودي فيه. وأتمنى من نظام الرئيس على عبدالله صالح أن يتجاوب مع المطالب المشروعة للشعب في الإصلاح والتغيير بما يجنب البلد المخاطر المستقبلية التي تتهدده، ولاسيما تلك المرتبطة بوحدة البلاد.

س: كيف تنظرون إلى مشاركة قوات درع الجزيرة في مملكة البحرين؟

دخول قوات درع الجزيرة لمملكة البحرين لحفظ الأمن والاستقرار تم بشكل مقنن، وتحكمه قواعد قانونية واتفاقيات إقليمية. لكن ما أتمناه هو أن تتم تسوية المشكلة في البحرين على أساس داخلي، وأن يتم ضبطها حتى لا تصبح مادة لصراعات خارجية وإقليمية، ولاسيما أننا ندرك أنه كلما زادت التشابكات الإقليمية والدولية ازدادت المشكلة تعقيداً. وأنا أرجو من العقلاء في مملكة البحرين، التي تملك الريادة في الثقافة والسياسة والتعايش، أن تتم معالجة الأمور من داخل البيت الوطني البحريني، والقيام بالإصلاحات الضرورية لتفكيك الأزمة ونزع فتيل الانفجار، ومنع بعض القوى المتربصة بالمنطقة من الاستفادة من هذه الأزمة والذهاب بها بعيداً.

س: هل يمكن أن تتحول الأزمة السياسية في مملكة البحرين إلى صراع إقليمي إيراني- خليجي في المنطقة؟

هذا الأمر ممكن إذا تفاقمت الأمور ولم يتم معالجتها على المستوى الوطني البحريني. هناك دائماً في أي صراع أو أزمة سياسية أطراف خارجية تحاول الاستفادة من هذه الأزمة أو حتى التسبب فيها وإشعالها، ولكن حل هذه الأزمة يتوقف على قدرة البلد المعني على تفكيكها وفصل الداخلي عن الخارجي فيها، ومحاولة معالجتها في سياقها الوطني، فإذا تم ذلك يمكن تقليص، وربما إلغاء، أثر العامل الخارجي، لذا نكرر الدعوة إلى ضرورة تسوية هذه الأزمة في سياقها الوطني.

س: ما هو تقييمكم للموقف الإيراني من التطورات التي تشهدها الساحة العربية؟

هناك مصالح كثيرة مشتركة وعلاقات تعاون وحوار بين إيران والعالم العربي، وأتمنى من الساسة الإيرانيين ألا يحاولوا الاصطياد في المياه العكرة، أو توظيف هذه التطورات لخدمة مصالحهم وأجندتهم الخاصة. نحن لا نريد من إيران، ولا نقبل منها ما لا تقبله هي لنفسها. لمصلحة إيران أن يكون هناك استقرار في المنطقة وعلاقات حسن جوار مع الدول العربية، كما هي مصلحة للدول العربية أن يكون هناك استقرار في إيران، وإذا كان هناك مجال للخلاف، فيجب أن يتم التعامل معه عبر أطر وآليات قانونية مشروعة وليس بالطرق الملتوية، كما يجب أن تكون العلاقات بعيدة عن محاول البعض إعطاء دروس لنا في كيفية تدبير شؤوننا الداخلية، خاصة أن إيران تعاني من المشكلات نفسها التي تعاني منها مختلف الدول العربية، وتواجه احتجاجات ومطالب مشروعة للإصلاح والتغيير من قبل الشعب الإيراني يتم قمعها من السلطات الأمنية.

Share