تساؤلات بشأن سياسة الدولار القوي

  • 17 مايو 2003

وتيرة الهبوط الحالية التي يعانيها الدولار الأمركي بدأت تثير تساؤلات جدية في أسواق الصرف، بشأن "سياسة الدولار القوي" التي تؤكد الإدارة الأمريكية الحالية بأنها لا تزال ملتزمة فيها، شأنها في ذلك شأن الإدارات السابقة، وعلى الرغم من مسارعة البيت الأبيض إلى تكرار تأكيده على الاستمرار في اتباع هذه السياسة، فإن ما سبق ذلك من تصريحات أدلى بها وزير الخزانة الأمريكي، جون سنو، أمام مجلس النواب الأمريكي يوم الثلاثاء الماضي قد كانت كافية لتصاعد شكوك أسواق الصرف في عزم الولايات المتحدة على المضي قدما في سياسة الدفاع عن الدولار. فعلى الرغم من إعلانه عن عدم تخلي الإدارة الأمريكية عن تأييدها لسياسة "سعر صرف قوي للدولار"، فإن الأسواق فسرت بعض الإشارات التي انطوت عليها تصريحاته بأنها دليل أكيد على تخلي الإدارة عن هذه السياسة أو على الاكتفاء، على الأقل، بالبيانات الكلامية المؤيدة للدولار القوي كبديل عن اتخاذ أفعال ملموسة لوقف هبوط العملة الأمريكية، بما فيها التدخل في أسواق الصرف لشراء العملة الأمريكية. ففي حين استبعد وزير الخزانة وجود نية بالدفاع عن الدولار في الأسواق لمنع المزيد من هبوطه، مبررا ذلك بـ"عوامل السوق المعقدة" التي "تحد من المقدرة على السيطرة على قيمة العملة"، يمكن تفسير إشارته بالفوائد التي يجنيها قطاع التصدير الأمريكي من وراء هبوط الدولار، بأنها دلالة أخرى على أن الدفاع عن الدولار سيبقى في حدود التصريحات الكلامية.

مثل هذا الموقف يمكن أن يفاقم حالة المحنة الحقيقية التي يواجهها الدولار الأمريكي، والتي تتمثل في تزايد وتسارع حدة هبوطه أمام العملات الرئيسية العالمية. فمنذ بداية العام الحالي وحتى الآن خسرت العملة الأمريكية نحو 30% من قيمتها مقابل اليورو الأوروبي في حين لم تنفع عمليات التدخل المتكررة التي أقدم عليها البنك المركزي الياباني المتكررة في 24 سوق صرف عالمية والتي أنفق فيها وخلال الفترة الواقعة بين يناير ومارس الماضين 2,387 تريليون ين من أجل وقف ارتفاع الين أمام الدولار، من منع العملة الأمريكية من تكبد خسارة نسبتها 11% خلال العام الحالي مقابل نظيرتها اليابانية. قد لا يمثل حيال الدولار، ومهما كانت السمات التي يحاول المسؤولون الأمريكيون إلصاقها به، سوى سبب عرضي لواقع فعلي أكثر أهمية يشكل الأساس لتكبد الدولار مزيدا من الخسائر. فلا يزال الاقتصاد الأمريكي يشكو من تعثر الانتعاش وسط غياب أي بادرة للتحسن خلال المستقبل المنظور. حدة الهبوط التي تعرض لها الدولار مؤخرا والآفاق المتوقعة لاستمرار هذا الاتجاه باتت تثير تساؤلات جدية بشأن حقيقة الموقف الفعلي للإدارة الأمريكية حيال الدولار وما إذا كانت الإدارة جادة فعلا في المضي بسياسة "الدولار القوي" أم إنها ستتخلى عنها أمام الفوائد الوقتية التي يمكن أن يكتسبها الاقتصاد الأمريكي من جراء هبوط الدولار. إن انخفاض الدولار لا يمثل معضلة أمريكية بحتة بل هو مشكلة اقتصادية عالمية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات