تزايد الشكوك حول النمو الاقتصادي العالمي

  • 19 سبتمبر 2015

بعد أن لاحت الآمال وزادت أسباب التفاؤل بتحسن الأوضاع الاقتصادية العالمية في بعض الفترات بالأعوام الماضية، ما لبثت أن تلبدت أجواء الاقتصاد العالمي بالغيوم من جديد، وبدأت مرحلة جديدة من التأزم قد تكون أشد وقعاً وأثقل وطئاً من المراحل السابقة من عمر الأزمة المالية العالمية؛ وبينما كانت اليونان هي صاحبة الفضل في تدشين المرحلة الجديدة، عبر اقترابها بشدة من شفا الإفلاس، وتوجيهها تهديداً مباشراً لاقتصاد منطقة اليورو، ما لبثت الصين أن تسلمت الراية منها، وحملت على عاتقها مسؤولية تعميق مجرى المرحلة الجديدة من الأزمة، حتى إن المرحلة الجديدة يمكن أن يطلق عليها بحق اسم «الأزمة الصينية».

فقد شهد الاقتصاد الصيني تطورات دراماتيكية خلال الفترة الماضية، حيث عانى تراجع معدلات النمو إلى أدنى مستوى في أكثر من ربع قرن، وشهد تراجعاً غير مسبوق في حجم النشاط الصناعي والخدمي، وتراجعت صادراته إلى حدود لم تبلغها منذ سنين، إلى جانب ما عاناه من تدهور سريع في أسعار الأسهم والمؤشرات العامة للبورصة، وتنامي مخاوف انفجار الفقاعة العقارية ومن ثم انهيار قيم الأصول العقارية في البلاد. وبسبب المكانة المهمة التي يحتلها الاقتصاد الصيني في منظومة الاقتصاد العالمي، باعتباره ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بعد الاقتصاد الأمريكي، وباعتباره المستهلك الرئيسي للموارد الأولية ومصادر الطاقة، وهو أيضاً بمثابة الوجهة الأولى لرؤوس الأموال والشركات الكبرى في العالم منذ فترة طويلة، وهو كذلك الاقتصاد الأكثر تصديراً في العالم، بالإضافة إلى دوره المحوري في تحفيز النمو الاقتصادي العالمي، فقد تسبب تسارع التطورات السلبية التي شهدها في اندلاع حالة من الهلع في الأوساط المالية والاقتصادية العالمية، حيث زاد مستوى الريبة والشك حول مستقبل الاقتصاد العالمي برمته، ولاسيما أن حدوث أي خلل في هذا الاقتصاد المهم سيعني فقدان الاقتصاد العالمي أهم محركات نموه.

مازالت هذه الحالة تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، حتى إن «بنك أوف أمريكا–ميريل لينش» أجرى مؤخراً استطلاعاً لمدير صناديق الاستثمار، وأظهرت نتائج الاستطلاع تراجعاً كبيراً في ثقة المستثمرين بشأن فرص نمو الاقتصاد العالمي، وبرر المستثمرون ذلك بمخاوفهم من استمرار تدهور أداء الاقتصاد الصيني، الذي قد يجر خلفه باقي الاقتصادات الصاعدة في العالم؛ وذكروا أنهم يتخوفون من حدوث ركود في الاقتصاد الصيني، واعتبروا ذلك أكبر المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي. وقد انعكست هذه المخاوف على تحركات المستثمرين حول العالم، فتراجعت نسب استعدادهم لتحمل المخاطر، الأمر الذي دفعهم إلى تقليص الوزن النسبي للأسهم في محافظهم المالية، ولاسيما الأسهم الخاصة بالشركات العاملة في أسواق السلع الأساسية.

جدير بالذكر أن «صندوق النقد الدولي» عبر مؤخراً عن عدم رضاه عن الاقتصاد العالمي، بسبب أنه لم يسجل تعافياً ملحوظاً خلال عام 2015، على عكس ما كان متوقعاً في بداية العام، ونتج ذلك عن الأداء الأسوأ من المتوقع لبعض الاقتصادات المتقدمة، إضافة إلى تراجع وتيرة النمو في بعض الدول النامية واقتصادات الأسواق الصاعدة، على الرغم من الأثر التحفيزي الناتج عن استمرار سياسات التيسير الكمي وتراجع الأسعار العالمية للطاقة.

تخلق هذه الأجواء حالة من الشك العميق حول أفق النمو العالمي، وتزيد من مقدار الريبة بشأن قدرة محركات النمو الخارجية على تحفيز النمو بالاقتصادات الوطنية للدولة، بل إنها تلزم الحكومات بضرورة التعويل على القدرات الذاتية لاقتصاداتها، من دون انتظار أن يأتي الغيث من الخارج، ولاسيما أن «الأزمة الصينية» مازالت في بدايتها.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات