تركيا وهواجس كردستان الكبرى

د. هدى النعيمي: تركيا وهواجس كردستان الكبرى

  • 4 نوفمبر 2007

تؤكد الأزمة التركية-الكردية الراهنة ضرورة أن يتريث الأكراد في اندفاعاتهم الانفصالية، وأن يتمعنوا جيداً في قراءة الإطار الإقليمي والدولي المحيط بهم لمعرفة الحدود المسموح بها للتحرك، ولكن يبدو أن قادتهم يكررون ذات الأخطاء التي تدفع دول الجوار إلى تذكيرهم بخطوطها الحمراء المتمثلة في رفضها المطلق لفكرة قيام دولة كردية في شمال العراق، يمكن أن تكون حافزاً لانطلاقة قومية كردية تطال استقرار الإقليم.

مرة أخرى لم يحسبها أكراد العراق جيداً؛ فإقليم كردستان العراق يعتمد في اقتصادياته على الدول المجاورة، لاسيما تركيا التي يتوقع أن يصل حجم صادراتها للإقليم من مواد البناء والمواد الغذائية إلى نحو 5 مليارات دولار بحلول نهاية العام الحالي 2007، كما يتوقع أن تسيطر الشركات التركية على معظم المشاريع التي ستقام في كردستان خلال السنوات الثلاثة المقبلة، والتي تبلغ قيمتها التقديرية نحو 15 مليار دولار، وهو ما كان يحتم على الأكراد السعي لكسب الود التركي، بما يفضى إلى محصلات إيجابية تصب في خانة تطوير الروابط وتعزيز أطر التعاون المشترك وليس العكس، بيد أن الساسة الأكراد يصرون على أن يكونوا، كما كانوا دائماً، أسرى لطموحات عالية، دفعت بالمنطقة إلى دوامة  من الحروب والاقتتال.

وبدورها تشعر تركيا بقلق كبير، جراء تزايد قدرات وصلاحيات إقليم كردستان، بحيث باتت المعادلة السياسية في العراق تميل لصالح الكفة الكردية. وليس أدل على الطموح الكردي من صفقات النفط التي أبرمتها حكومة الإقليم مع الشركات الأجنبية، وإعلان عناصر البشمركة وقوات الشرطة المحلية وحرس الحدود رفضها تلقي الأوامر من بغداد، كونها قوات محلية تحمي الإقليم ولا صلة لها بأجزاء العراق الأخرى، فضلاً عن تزايد البعثات الدبلوماسية الكردية التي وصلت إلى 13 بعثة في دول العالم المختلفة.

وثمة بُعد آخر في المسالة لا يمكن تجاهله، وهو البعد المتعلق بحزب العمال الكردستاني، وعملياته العسكرية، التي ينطلق بعضها من الأراضي العراقية، لتدلل على دعم أكراد العراق لنظرائهم في تركيا، فضلاً عن الصمت الأمريكي إزاء هذا التصعيد العسكري الكردي الذي يستهدف القوات النظامية التركية، والذي يمكن اعتباره محاولة من جانب واشنطن لإشعار الأتراك بخطأ قرارهم الرافض لغزو العراق وامتناعهم عن إنزال الفرقة الأمريكية الرابعة في الأراضي التركية قبل الحرب بأيام، وإن كان الموقف الأمريكي ما يزال يتأرجح حتى هذه اللحظة بين دعم أكراد العراق في مشروعهم لتقسيم العراق، ورغبة واشنطن في دور تركي  أكبر في المنطقة لمساندة مشروعها الساعي إلى تحجيم التمدد الإيراني، وهو ما يفرض عليها التنديد بممارسات حزب العمال الكردستاني الإرهابية ودعم موقف أنقرة الرافض لتقسيم العراق وقيام دولة كردية.

وبينما كان هناك وقت تنظر فيه الولايات المتحدة إلى ارتباطاتها مع تركيا على أساس أنها تمثل تجسيداً للشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، فإنها اليوم تستخدم هذه الارتباطات كورقة مقايضة لضمان أمنها القومي، عبر تحريك قضية إبادة الأرمن في الكونغرس والسماح لحزب العمال الكردستاني باستخدام شمال العراق منطلقاً لضرب المواقع التركية، وكأن ما تقوله الدبلوماسية الأمريكية للأتراك؛ ساعدونا في المأزق العراقي، نساعد كم في مسألتي الأرمن والأكراد.

وتكاد الطلبات الأمريكية تنحصر، في قيام تركيا بمنع إيران من ملء الفراغ الذي قد يحدث في العراق في حال انسحاب قواتها منه، وتعمل واشنطن في سبيل ذلك على تصعيد التوتر بين الأتراك والإيرانيين، بعدما بدا لها أن ربيع هذه العلاقات بدأ يزهر بين الطرفين، كما ترغب الولايات المتحدة في إعادة اتجاهات الحركة التركية لتكون داعماً للرؤية الأمريكية للشرق الأوسط بعد بروز عدة مؤشرات على ميل تركيا نحو اعتماد سياسة التوازن في العلاقات الإقليمية. ومن جانب آخر، تدرك واشنطن أن بإمكان تركيا ممارسة ضغوطها على السوريين لحملهم على فك ارتباطهم الاستراتيجي مع إيران، ويمكن أن نتذكر هنا ما آلت إليه الأزمة السورية-التركية عام  1998، عندما اضطر الرئيس "حافظ الأسد" للقبول بشروط الأتراك. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما مدى الاستعداد التركي لتجاوز سياسة عدم الانغماس في شؤون الإقليم والسعي للانخراط في معادلاته المختلفة، للتحول إلى دولة شرق أوسطية تتأثر بشواغل المكان والزمان؟.. لاشك أن حدوث هذا التحول المطلوب، يستلزم عوائد مجزية ترضي المصلحة التركية./n /n قد لا تريد أنقرة القيام بعمل عسكري واسع ضد عناصر حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، ولكن ما يقلقها هو تسارع خطوات هذا الإقليم باتجاه الانفصال عن بغداد، وما قد يترتب على ذلك من إثارة همم مواطنيها الأكراد وتحفيزهم على المطالبة بنموذج سياسي مماثل لحكومة كردستان العراق. كما تمثل قضية كركوك أرقاً دائماً للسياسة التركية، لاسيما في ضوء ما رافقها من عمليات تهجير طالت السكان العرب، بحجة استقدام النظام السابق لهم وتوطينهم فيها بعد طرد السكان الأكراد، وتخشى الحكومة التركية من أن يلي ذلك مرحلة ثانية من الاستقواء الكردي تفضي إلى طرد التركمان من هذه المدينة، الغنية بالنفط وضمها إلى الإقليم، لتزدهر الدولة الكردية المرتقبة وتتطور.

 وانطلاقاً من هذه المخاوف نجحت الحكومة التركية في استصدار قرار من البرلمان يسمح  للجيش بعبور الحدود العراقية، وملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني؛ فتركيا ليست على استعداد للتعايش مع دولة كردية تشكل شوكة في خاصرتها الجنوبية، لتتحول إلى نموذج عابر للحدود يأخذ به الأكراد أينما كانوا، خاصة أن هذه الدولة تسابق الزمن لإحداث نقلة نوعية في بنيتها التحتية وبرامجها التنموية لتصف نفسها بـ"العراق الآخر" قياساً بالدولة الفاشلة في بغداد التي تتحكم بها الميليشيات وفرق القتل وتتخبط في دائرة الفساد وعدم كفاءة الساسة وعجزهم عن اجتراح الحلول ومعالجة المشاكل المترتبة على نقص الخدمات وفقدان الأمن.

ومع ذلك يدرك الأتراك أهمية إجراء حساب دقيق للأرباح والخسائر، وبهذا المعنى فإن تركيا لن تشن حرباً واسعة النطاق ومفتوحة النهايات، تجرها إلى احتمالات الانزلاق نحو مستنقع يشبه المستنقع الأمريكي في العراق، وهي لن تنزع رداءها العلماني وتطلعاتها للاندماج بالغرب ومنظومته الموحدة أو تخاطر بحدوث أزمة في علاقاتها مع القوى الغربية الرافضة لشن هذه الحرب، كما تشكل الارتباطات التركية بالولايات المتحدة والغرب من خلال  العضوية بحلف الناتو، سبباً إضافياً لعدم إحراج حلفائها، في الركون إلى القوة مع إعطاء المزيد من الوقت للحوار والدبلوماسية؛ فالولايات المتحدة لا تريد صداعاً جديداً في الملف العراقي، يزيد من حرج موقفها، فيما تدرك تركيا أهمية تأهيل دورها بعد أن أعلنت رفضها وعزوفها عن الاشتراك في غزو العراق عام 2003.

وثمة جانب آخر في المواجهة بين تركيا ومواطنيها الأكراد، بات أكثر بروزا من السابق، يرتبط بمدى قدرة الحلول العسكرية على الوصول إلى الغايات المرجوة؛ فمن غير المتوقع أن تخوض تركيا غمار حرب طويلة الأمد، ذات أثمان باهظة، ولكنها في ذات الوقت لن تبدي ضعفاً أو تهاوناً في مواجهة الحركة الكردية التي أثقلت السياسة والاقتصاد والاستقرار بأعباء جسيمة، الأمر الذي يرجح أن يقتصر الرد التركي على القيام بعمليات محدودة وضربات عسكرية منتقاة.

وتخشى تركيا كأحد فواعل الإقليم بحجمها الكبير، وقوتها العسكرية، ومرجعيتها التاريخية كمعقل للمسلمين السنة، من الاستحواذ الإيراني على العراق، وتبعاته على العرب السنة من جهة، ولما يؤمنه لإقليم الشمال من فرص لتثبيت انفصاله عن الحكومة المركزية من جهة أخرى. ولكن إيران رابحة لا محالة؛ فالانشغال الإقليمي والدولي بالأزمة القائمة بين تركيا وأكراد العراق أوجد لطهران استرخاءً إعلامياً وسياسياً. ومن جانب آخر تمكنت إيران من استثمار الجفاء الذي حدث بين الأمريكيين والأتراك بسبب هذه القضية، في محاولة لعزل الطرف الأمريكي وإيقاع المزيد من الضغوط علية وتوسيع الاعتراضات الدولية والإقليمية على وجود قواته في العراق. كما أن إدارة إيران لملفها النووي يتطلب إحداث صدع في التحالف التركي-الأمريكي، وكسب أصوات إضافية تتفهم حقها في امتلاك التكنولوجيا النووية. والأهم من كل ما تقدم أن هذه الأزمة كشفت بوضوح أن صراعات المنطقة المقبلة، ستندلع نتيجة التأثر بالواقع العراقي، الذي أفرز صراعات الهوية والأرض، والحصيلة لن تكون سوى مزيد من الفوضى، تدخل دول الجوار بدوامات طاحنة ما بين الانفصال والتوحد، لتكون تحت رحمة تجاذبات السياسة الإقليمية والدولية.

ومن المرجح أن هذه التحديات التي تواجه دول المنطقة ستدفع بها باتجاه التشرذم والانقسام والحروب الأهلية، ومن شأن قيام كيان كردي أن يُحدث المزيد من الاستنفار على المستويين السياسي والجغرافي في المحيط الإقليمي، خشية انبثاق أزمات جديدة تستعير نماذج الصدام في العراق.

ويتحمل الساسة الأكراد في العراق مسؤولية دفع الأمور باتجاه التصعيد بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية، بسبب الدعم اللوجستي الذي يقدمونه لعناصر الحزب والسماح لهم بالانتشار في محافظتي أربيل ودهوك، مناطق نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه "مسعود البرزاني"، وتحديداً في مناطق خواكورك وجبال قنديل وآرغوش. وقد يعني هذا الدعم اقتراباً من هدف تشكيل دولة كردستان الكبرى، والتي تمتد من كردستان الجنوبية (مناطق أكراد العراق) إلى كردستان الشمالية (مناطق أكراد تركيا) وكردستان الشرقية (مناطق أكراد إيران) وكردستان الغربية (مناطق أكراد سوريا)، إضافة إلى دفع التطلعات القومية الانفصالية لحزب العال الكردستاني قدماً إلى الأمام، وتغليب العصبية العرقية والقومية على المصلحة الوطنية لكلا الطرفين. وما صرح به "مسعود البرزاني" قبل أشهر حول إمكانية الرد على التدخل التركي بتدخل كردي مماثل، إنما هو مؤشر على تعاون وصلات مشتركة، قد تستخدم في لحظة معينة، للضغط على الأتراك.  /n  /n وفي نفس الاتجاه يمكن تفسير هجمات العمال الكردستاني التي تستهدف زعزعة التحولات الإصلاحية التي شهدتها المناطق الكردية مع تولي حزب العدالة والتنمية الحكم، على مستوى الحريات العامة والانفراج الداخلي والمطالب الإنسانية والثقافية، وسعي الحزب إلى تقويض التقارب الاقتصادي التركي مع أكراد العراق، ولجم تطوره، حتى يضمن استمرار دعم الأكراد العراقيين له، ومنعاً لتشكل روابط اقتصادية يصبح من العسير التخلي عنها والفكاك منها.

ولكن هل سيتمكن الأكراد من تأسيس إمبراطوريتهم الكبرى في ظل إقليم يعج بالطوائف والعروق والأزمات ؟ وهل ستغدو كردستان العراق قبلة للاستثمارات وعنواناً يستثير الهمم الكردية ويعبر عن الطموحات القومية للأكراد الآخذة بالتصاعد؟…  إنه أمر موضع نقاش.

Share