تركيا واليونان.. صراع على ثروات «شرق المتوسط»

  • 16 أغسطس 2020

شهدت العلاقات اليونانية – التركية، منذ سنوات عدّة، توتراً ملموساً سبّبته جملة من القضايا، بدأت بخوض الدولتين حرباً في عام 1974 بشأن قبرص، التي انقسمت منذ ذلك الوقت إلى قسمين، فأصبحت تركيا تدير الثلث الشمالي من الجزيرة القبرصية بعد اجتياحه، فيما تدير حكومة من القبارصة اليونانيين الثلثين الواقعين في الجنوب، وتحظى باعتراف دولي بذلك.

منذ ذلك الحين حتى وقتنا هذا، تنامت بين اليونان وتركيا جملة من النزاعات، تمثّلت بالصراع الدائر على التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، و«انزعاج» اليونان من قرار رجب طيب أردوغان، الرئيس التركي، تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، واختلاف البلدين بشأن قضية عبور المهاجرين الحدودَ إلى داخل اليونان، وغيرها من الملفات الشائكة.

آخر التوترات بين الدولتين كانت برفع اليونان حالة التأهُّب لدى قواتها البحرية الأسبوع الماضي، والطلب من جميع الضباط العسكريين العودة إلى مواقعهم على الفور، وذلك في ردٍّ على الاستفزازات التركية، التي كان آخرها إرسال سفينة «عروج ريس» إلى سواحل جزيرة «كاستيلوريزو» اليونانية، وهي سفينة مسح اهتزازي، تعمل على استئناف التنقيب عن موارد الهيدروكربون في المياه المتنازع عليها في شرق البحر المتوسط، الأمر الذي زاد من منسوب القلق في المنطقة، وتجسّد مؤخراً في عقْد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي اجتماعاً استثنائياً، يوم الجمعة الماضي، أكدوا فيه تضامنهم مع قبرص واليونان، داعين تركيا إلى وقف التصعيد والعودة إلى المفاوضات.

وكانت الخارجية اليونانية فسّرت حالة التأهب بالقول إن من حقها الدفاع عن سيادة الدولة في وجه الابتزاز التركي المتواصل لجيرانها، الذي يهدد استقرار المنطقة، ولاسيما بعد ما تفوّه به داوُد تشاوش أوغلو، وزير الخارجية التركي، بأننا: «سنواصل أعمال البحث الزلزالي والتنقيب في مناطق جديدة بعد ترخيصها في شرق البحر المتوسط نهاية أغسطس الجاري، كنا قد رسمنا الحدود الغربية لجرفنا القاري بعد ترخيصها».

لقد بات سعي أنقرة الحثيث إلى ممارسة لعبتها في تقاسم الأدوار، وتأجيج الخلاف الحدودي مع دول الإقليم، سبباً لاتخاذ العديد من الدول الجارة خطوات تحاول من خلالها وضع حدٍّ للأطماع التركية في المنطقة، وهو ما حفّز اليونان ومصر مؤخراً على توقيع اتفاق على الحدود البحرية، اعتبرته تركيا انتهاكاً لجرفها القاري، وهي التي وقّعت، من قبْل، اتفاقاً شبيهاً لترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الليبية، في نوفمبر الماضي، قالت بشأنه «إنه يؤسس لمنطقة اقتصادية خالصة تمتد من الساحل الجنوبي لتركيا حتى شمال شرق ليبيا»، فيما اعتبرته مصر آنذاك اتفاقاً غير قانوني، وقالت عنه اليونان إنه مُنافٍ للمنطق؛ إذ لم يأخذ في الاعتبار وقوع جزيرة كريت في المنطقة.

المتتبع للنزاع الذي يجري في منطقة شرق البحر المتوسط حالياً، يدرك ماهيّة الأسباب التي خلّفت كل تلك التوترات؛ إذ تسبب اكتشاف احتياطيات ضخمة من الغاز قبالة سواحل قبرص برسم ملامح العلاقات بين دول الإقليم على مدى سنوات كثيرة، وهو ما يفسره اتفاق قبرص واليونان وإسرائيل ومصر، من أجل تحقيق استفادة قصوى من الغاز، وتحويل إمدادات الطاقة إلى أوروبا عبر خط أنابيب يصل طوله إلى ألفي كيلومتر في البحر المتوسط. في المقابل أعلنت تركيا أيضاً عزمها البدء في التنقيب في مناطق عدة إلى الغرب، وأثارت بذلك غضب اليونان وقبرص، الدولتين العُضْوين في الاتحاد الأوروبي.

يبدو أن التوتر اليوناني – التركي خلق حالة من القلق لدى دول أوروبا؛ فقد أعربت ألمانيا – صاحبة دور الوساطة في صياغة اتفاقٍ بين الدولتين انتفى بعد توقيع الاتفاق البحري بين اليونان ومصر – عن قلقها بشأن خطوة أنقرة الأحادية، قائلة على لسان كريستوفر برغر، المتحدث باسم وزارة خارجيتها: «نحن بحاجة ماسة إلى خطوات لخفض التصعيد في شرق البحر المتوسط»، وهو ما يشير إلى أن تركيا تزيد من تعقيد علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، بدلاً من تقليص تلك التعقيدات، لأطماعها التي تتقدم باتجاه ثروات شرق المتوسط، التي قدر تقرير لهيئة المسح الجيولوجية الأمريكية في عام 2010 وجود 122 تريليون قدم مكعبة من الغاز، و1.7 مليار برميل من النفط فيها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات