تركيا والمعضلة المستعصية التي تلوح في الأفق

  • 11 مايو 2020

قال مارك بييريني، في تحليله المنشور على موقع «كارنيغي» إن أنقرة تدفع باتجاه تطبيق سياسات إشكالية، فيما يصطدم البقاء السياسي لرئيسها بالضرورات الاقتصادية.

تعمل تركيا على مكافحة جائحة «كوفيد-19» وتساعد بلداناً أخرى في ذلك. ولكن الأزمة الصحية كشفت النقاب عن مكامن الهشاشة التي تعانيها البلاد بسبب خياراتها في السياسة والاقتصاد والسياسات الخارجية. ولن يكون سهلاً الإبقاء على هذه الخيارات في خضم ركود عالمي.

والحاصـل أن دبلوماسيـة «كوفيد-19» لن تحجب الوقائـع الأكثر إشكالية التي تواجهها تركيا في شؤونها السياسية والاقتصادية والخارجية. بدايةً، تُظهر البلاد معظم المواصفات التي نراها في الأنظمة السلطوية الشاملة، حيث تخضع حرية التعبير والإعلام لقيود شديدة، كما أن القضاء مسيَّس، وقادة المعارضة يتعرّضون لمضايقات، أو حتى للاستبعاد.

وعلى الجبهة المالية، فإن احتياطيات المصرف المركزي التركي متدنّية جداً، وتُستخدَم لتأمين حماية مستمرة لليرة التركية. وفي الوقت نفسه، ترفض أنقرة الإفادة من التسهيلات الخاصة التي يقدمها صندوق النقد الدولي لمواجهة تداعيات «كوفيد-19»، خصوصاً لأسباب مبدئية.

على صعيد آخر، أظهر التدخل العسكري في شمال سوريا التباينات العميقة في الآراء مع روسيا حول سيادة سوريا ووحدة أراضيها. وكذلك تسبب التدخـل التركي لمصلحـة حكومـة الوفاق الوطني الليبية بتشنّجات مع العديد من البلدان العربية، والأهم من ذلك أنه كان مصدراً للتوتر مع روسيا. وقد أدّت القرارات الأحادية في شرق المتوسط، مثل إعادة تعريف الحدود البحرية وعمليات التنقيب عن الغاز في المياه المتنازع عليها حول قبرص، إلى تدهور العلاقات مع قبرص واليونان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وما زاد الطين بلة أن الهجوم الذي شنّته الحكومة التركية على الحدود اليونانية في مارس الماضي، والذي يعد أول هجوم تشنّه دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) على دولة عضو أخرى، من خلال استخدام اللاجئين بمنزلة بيادق، مُني بالفشل، وزاد من معاناة اللاجئين.

وفي الواقع، فإنه وعلى الصعيد النظري، ومع جرعة من الغطرسة، فقد يمكن المحاججة بأن تركيا بلغت درجة من التنمية الاقتصادية والقوة العسكرية لم تعد تحتاج معها إلى الانتماء حصراً إلى الحلف الغربي، ولكن هناك عاملان مهمان في هذا السياق:

أولهما، أن تركيا ولكي تتحوّل إلى «قوة في الوسط» وتكون في المصاف نفسه مع الصين والاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة، عليها أن تتحلى بضبط النفس وتمتلك سياسة خارجية متماسكة. فالهجوم على الحدود اليونانية بواسطة شرطة مكافحة الشغب بغية التعتيم على الضربة القوية التي سدّدتها القوات الروسية لكتيبة تركية في مدينة سراقب في محافظة إدلب السورية، لا يفضي إلى كسب الاحترام أو زرع الخوف، بل جل ما يفعله هو القضاء على مكانة تركيا الدبلوماسية. وينطبق الشيء نفسه على ما يُعرَف بالاتفاق مع ليبيا بشأن الحدود البحرية.

وثانيهماً، لا يمكن تجاهل المسائل الاقتصادية الأساسية؛ فتركيا لديها عجزٌ، وتعتمد إلى حد كبير على الغرب، ولاسيما أوروبا، في تصدير السلع المصنّعة، واستيراد التكنولوجيا، وفي احتياجاتها المالية في المدى القصير وعلى صعيد الاستثمار المباشر على السواء. وليست الصين وروسيا وبلدان الخليج بدائل عن الركيزة الأوروبية بالنسبة إلى تركيا.

والخلاصة، أن تركيا تواجه مأزقاً، ولا يبدو أن الاستمرارية السياسية لرئيسها الذي خسر حزبه هيمنته الانتخابية، تقتضي سردية قومية تصاعدية إضافةً إلى منظومة سلطوية شاملة. أقلّه هذا ما قررته القيادة التركية. وفي الوقت نفسه، يتطلب الإنقاذ الاقتصادي تعاوناً تركياً مع أوروبا والمؤسسات المالية الدولية. ولكن في هذا المجال أيضاً، دفعت الحسابات الخاطئة الناجمة عن منظومة السلطة القائمة على رجل واحد، البلاد في الاتجاه الآخر. ونظراً إلى الركود الذي تفرضه الجائحة في تركيا، فلا شك أن هذا المأزق سيتحول إلى معضلة مستعصية، إلا إذا كانت الفوضى الدائمة هي الخيار المفضّل لدى أردوغان.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات