تركيا والخليج العربي.. الآفاق والصعوبات

شحاتة محمد ناصر: تركيا والخليج العربي.. الآفاق والصعوبات

  • 21 سبتمبر 2008

تكتسب مذكرة التفاهم بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وتركيا، والتي تم توقيعها في جدة في الثاني من سبتمبر/أيلول 2008، أهمية كبيرة بالنظر لأسباب عدة، أولها: أنها تمثل نقلة نوعية في العلاقات الخليجية-التركية، ولاسيما أن هذه المذكرة تؤسس لحوار منتظم بين الجانبين، وهذا ما أشار إليه وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم على هامش التوقيع على مذكرة التفاهم بقوله: "بموجب آلية الحوار الاستراتيجي بين دول المنطقة وتركيا فإننا نرتئي أن يتم عقد اجتماع وزراء خارجية تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي مرة واحدة في السنة، على أن تنعقد هذه الاجتماعات بشكل دوري في تركيا والدولة التي ترأس القمة الخليجية". ثانيها: أن التوقيع على هذه المذكرة من شأنه أن يمثل دفعة قوية للحوار الاقتصادي بين الجانبين، والذي بدأ منذ التوقيع في مايو/أيار 2005 على اتفاقية إطارية لإقامة منطقة تجارة حرة بين الطرفين، وهو الحوار الذي مازال مستمراً ولم يصل إلى نهايته بعد. ولا شك في أن التوصل إلى إقامة منطقة تجارة حرة مشتركة سوف يدفع بالعلاقات الاقتصادية بين الجانبين إلى الأمام بشكل كبير.

 السبب الثالث هو أن التوقيع على المذكرة جاء في الوقت الذي تتحرك فيه تركيا بقوة تجاه منطقة الشرق الأوسط، ويتعاظم دورها الإقليمي بشكل ملحوظ، ولعل انخراطها في الوساطة بين إسرائيل وسورية في مفاوضات السلام غير المباشرة الدائرة بينهما منذ فترة، وحضور رئيس وزرائها للقمة الرباعية التي عقدت في العاصمة السورية دمشق مؤخراً إضافة إلى الرئيس السوري ونظيره الفرنسي وأمير قطر، ودورها في ملف البرنامج النووي الإيراني، وزيارة الرئيس الإيراني نجاد لها في أغسطس/آب 2008، هي كلها مؤشرات على تعاظم هذا الدور. ويبدو أن تركيا ترى أن الظروف مهيأة من أجل لعب هذا الدور على خلفية القلق الخليجي والعربي من برنامج إيران النووي، وغياب القوة الإقليمية العربية القادرة على ملء الفراغ السياسي في المنطقة، إضافة إلى ترحيب الولايات المتحدة وإسرائيل بهذا الدور التركي.

 أما السبب الرابع فيتمثل في حقيقة أنه في ظل القلق تجاه برنامج إيران النووي وتدخلاتها في الملفات العربية من العراق إلى فلسطين إلى لبنان؛ فإن الدول الخليجية تبدو مرحبة بدور تركي يستطيع أن يوازن الدور الإقليمي المتنامي لإيران في الشرق الأوسط، ولعل هذا ما يتضح من زيارات العديد من المسؤولين الخليجيين إلى تركيا خلال السنوات الأخيرة، ولاسيما الزيارة التي قام بها العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى أنقرة في أغسطس 2006؛ حيث يتم النظر إلى تركيا، الدولة سنّية المذهب، على المستوى الخليجي والعربي، على أنها يمكن أن تكون موازناً لإيران الشيعية.

 تركيا من جانبها تبدو مهتمة بالعلاقة مع دول الخليج العربي من منطلقات سياسية وأمنية واقتصادية؛ حيث تحتاج إلى الاستثمارات الخليجية في اقتصادها الوطني، وتنظر إلى المنطقة على أنها سوق مهمة للمنتجات التركية، فضلا عن أنها تستورد 90% من احتياجاتها النفطية، وتقدم نفسها على أنها مصدر ممكن للمياه إلى منطقة الخليج من خلال مشروع "أنابيب السلام"، الذي طرح بعد عام 1991، ويقضي بتزويد بلدان الجزيرة العربية والخليج بالمياه التركية عبر أنبوب طوله 6500 كم. وقد ساهمت مبادرة إسطنبول للتعاون بين حلف الناتو والشرق الأوسط الكبير، التي انطلقت في عام 2004، وأعطت الأولوية للانضمام إليها لدول مجلس التعاون الخليجي، في تعزيز دور تركيا الأمني في المنطقة باعتبارها عضواً في الحلف؛ حيث ترتكز أهداف هذه المبادرة على تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين من خلال دور جديد للحلف في المنطقة، عبر تقديم المساعدة لدول المنطقة في تدريب قواتها وإجراء حوار سياسي مع الحلف في قضايا تهم الطرفين.

 ويجيء اهتمام تركيا بمنطقة الخليج وحرصها على تطوير العلاقة معها ضمن اهتمامها بتعميق روابطها الشرق أوسطية والإسلامية كجزء من استراتيجية التحرك الخارجي لحزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية، والذي يرى أن العمق الإسلامي لتركيا مهم ولا يتعارض مع سعيها إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو حتى علاقتها مع إسرائيل، خاصة أن الجهود التركية للالتحاق بالقطار الأوروبي تواجه مشكلات ومعوقات كبيرة أخطرها ما يتعلق بالبعد الديني?الثقافي، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى طلب تركيا الانضمام إلى الجامعة العربية بصفة مراقب، وحضور رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لفعاليات القمة العربية التي عقدت في مارس/آذار 2005.

 لقد حاولت تركيا التحرك تجاه الخليج والعالم العربي منذ 1991 بحثاً عن دور وموقع في المنطقة، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وما تلاه من انتهاء دورها في الاستراتيجية الغربية كحائط صد في وجه الزحف الشيوعي على الشرق الأوسط، إلا أنه تم النظر إليها وإلى دورها نظرة شك وريبة، خاصة في ضوء تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، وقلق القوى العربية الكبرى من أن يكون الدور التركي في المنطقة على حسابها، فضلاً عن أن تركيا حاولت مقايضة المياه بالنفط عبر مشروع أنابيب السلام، الذي كان ترجمة للشعار الذي رفعته وهو" المياه مقابل النفط"، وحينما رأت الولايات المتحدة بعد عام 2003 أن النموذج السياسي التركي يمكن أن يكون نموذجاً مثالياً للتغيير الديمقراطي في المنطقة العربية، ساهمت بشكل غير مباشر في إيجاد نوع من التوجس العربي تجاهها. غير أن التحرك التركي الحالي تجاه دول الخليج يتم في ظروف أفضل؛ فقد فشل المشروع الأمريكي لدمقرطة المنطقة، وبالتالي لم يعد النموذج السياسي التركي مطروحاً على دول المنطقة، كما أن دول الخليج تطلب الدور التركي في المنطقة وتلح عليه في إطار سعيها إلى حليف إقليمي قوي في مواجهة إيران، خاصة في ظل المشكلات التي يواجهها العراق، وانكفاء مصر على نفسها، وانشغال باكستان"السنّية" بمشكلاتها الداخلية الخانقة، إضافة إلى ذلك تنخرط أنقرة في وساطة بين سورية وإسرائيل، وهذا يخفف من القلق الخليجي تجاه علاقاتها مع تل أبيب والذي كان سبباً في تعثر التقارب بين الطرفين في الماضي.

 لكن هل يعني ما سبق أن العلاقات الخليجية التركية لا تواجه بأي عقبات بحيث أنه يمكنها أن تتحول إلى علاقة تحالف استراتيجي؟/n بالطبع لا؛ فهناك العديد من العقبات التي يمكن أن تحد من تطور العلاقات بين الجانبين، وتكبح الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام؛ أولها: أن تركيا نفسها لم تحسم أمرها بشأن علاقاتها العربية والإسلامية؛ إذ إن هناك تياراً كبيراً داخلها ينظر إلى العلاقة مع العالم الإسلامي بريبة، ويرى أن مجال تركيا هو أوروبا وليس الشرق الأوسط، وبالتالي فإن أي تغيير داخلي يذهب بحزب العدالة والتنمية بعيداً عن السلطة لصالح تيار علماني يمكن أن يحدث تحولاً جذرياً في علاقات أنقرة الخارجية، ويوجه ضربة إلى توجهاتها الشرق أوسطية، مثلما حدث بعد الإطاحة بنجم الدين أربكان، زعيم حزب الرفاه الإسلامي عام 1997، والذي كان مهندس إنشاء مجموعة الثماني الإسلامية؛ حيث تراجع التوجه الشرق أوسطي لتركيا بشكل لافت إلى أن جاء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة.

ثانيها؛ أنه بالرغم من أن تركيا ذات توجهات معتدلة، ودولة سنية المذهب، ولها روابطها التاريخية في المنطقة، إلا أن نموذج العلمانية المتطرفة الذي تمثله لا يحظى بالقبول في المنطقة العربية والخليج؛ حيث يؤدي الدين دوراً مهماً في هذه المجتمعات. وتتمثل العقبة الثالثة، في أن دخول تركيا إلى منطقة الخليج سيثير إيران ويدفعها إلى التحرك؛ حيث تدرك الأخيرة أن الدور التركي موجه إليها بالأساس، وهو ما يمكن أن يحول المنطقة إلى ساحة صراع تركي-إيراني خطير، وهذا أحد جوانب الخطورة في التوجه الخليجي إلى تركيا لموازنة الدور الإقليمي الإيراني. أما العقبة الرابعة فتتمثل في أن فكرة الاعتدال ونبذ الجمود الأيديولوجي التي تروج لها تركيا، تواجه أزمة في المنطقة لصالح فكرة التشدد لأسباب عدة، أهمها أن فكرة الاعتدال مرتبطة بالأساس بالعلاقة الطبيعية مع إسرائيل والتحالف مع الولايات المتحدة.

 لا شك في أن العلاقات بين تركيا ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية حيوية، ولكن من المهم ألا تصبح هذه العلاقات أسيرة القلق الخليجي من إيران؛ لأن ذلك سيدخل دول المجلس في صراع إقليمي صعب سعت على مدى سنوات طويلة إلى الابتعاد بنفسها عنه.

Share