ترامب يملك خيارين: الانسحاب من الشرق الأوسط أو الحرب مع إيران

  • 5 مايو 2020

يتناول تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد «كوينسي» للأبحاث في مقاله في مجلة «ناشونال إنترست» الخيارات المتاحة أمام الرئيس الأمريكي للتعامل مع إيران ويرى أن عليه إما الانسحاب من الشرق الأوسط أو الدخول في حرب مع إيران؛ حيث لا يمكنه الجمع بين هذا وذاك.

«كل من تورط في منطقة الشرق الأوسط قد غرقت قدماه في الوحل». هذا ما أشار إليه المرشح دونالد ترامب في أكتوبر 2015 بينما كان يبين رؤيته لسياسة خارجية من شأنها أن تضع حداً لحروب أمريكاً للأبد وتنتشلها من مغامراتها في منطقة الشرق الأوسط، لكن السيد ترامب يتحدث عن الانسحاب من المنطقة بينما لا يفعل الكثير حيال ذلك، ولعل أكثر تناقض لسياسته مع وعده بالانسحاب من الشرق الأوسط ينعكس في استراتيجيته الضغوط القصوى التي يمارسها على إيران.

قال ترامب في خطاب حالة الاتحاد في فبراير 2019: «جنودنا الشجعان يقاتلون الآن في الشرق الأوسط منذ نحو 19 عاماً. وفي أفغانستان والعراق قُتل قرابة 7 آلاف بطل أمريكي، وأصيب أكثر من 52 ألفاً بجروح خطيرة، وأنفقنا ما يزيد على 7 تريليونات دولار في المنطقة. وأتعهد، كمرشح للرئاسة، باتباع نهج جديد؛ فالدول الكبرى لا تخوض حروباً لا نهاية لها».

وكان ترامب محقاً عندما قال تلك الكلمات؛ إذ أنفقت الولايات المتحدة تريليونات الدولارات للحفاظ على هيمنتها العسكرية في الشرق الأوسط، بينما كانت تخوض حروباً بالوكالة عن دول أخرى، وقد فعلت ذلك باسم إرساء الاستقرار في المنطقة وضمان الأمن الأمريكي، ولم يتحقق أي من هذين الهدفين، بل أدت التدخّلات الأمريكية في الشرق الأوسط إلى زعزعة استقرار المنطقة ودفع حلفاء الولايات المتحدة إلى التخلي عن الدبلوماسية الإقليمية وممارسة الضغط على واشنطن لإقناع الولايات المتحدة بخوض حروب بدلاً منها، وأُنفقت تريليونات الدولارات على الأسلحة وتُرك الشعب الأمريكي ضعيفاً وعرضة للتهديدات غير العسكرية الأكثر احتمالاً.

وإدراكًا للأهمية المتضائلة لنفط الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة ونقص الموارد والخبرات الأمريكية اللازمة «لإصلاح» الدول في تلك المنطقة، لم يعد تحليل التكلفة والعائد للاحتفاظ بالهيمنة العسكرية في الشرق الأوسط منطقياً. وكما قال ترامب العام
الماضي: «دعوا غيرنا يقاتل فوق هذه التربة الملطخة بالدماء».

وكان ترامب قد أشار كثيراً في حملته الانتخابية إلى التكلفة البديلة لحروب أمريكا في الشرق الأوسط، وقال في عام 2015: «لقد أنفقنا 4 تريليونات دولار في سبيل إسقاط عدد من الحكام، وبصراحة ، إذا بقيوا في مواقعهم، وكان بإمكاننا إنفاق 4 تريليونات دولار في الولايات المتحدة لإصلاح طرقنا وجسورنا ومطاراتنا وكل المشكلات الأخرى، لكنا في وضع أحسن كثيراً.

ويتبنى الجمهور الأمريكي هذا الرأي؛ إذ كشفت دراسة استقصائية لتوجهات ناخبي ترامب أجرتها «مجموعة تارانس» الشهر الماضي أن 86 في المئة من قاعدته الشعبية تؤيد الانسحاب من سوريا، بينما يريد 58 في المئة منهم انسحاب القوات الأمريكية من العراق أيضاً، وتفضل الغالبية العظمى (66%) اتباع الطرق الدبلوماسية مع إيران، بينما يفضل 25% فقط خيار الحرب.

ولعل هذا السبب الذي يجعل سياسة ترامب بشأن إيران مثيرة للحيرة. صحيح أن ترامب لم ينهِ أياً من الحروب المستمرة حتى الآن، لكن يحتمل أن تؤدي الاتفاقية التي أبرمها مع طالبان إلى خفض مستويات القوات الأمريكية إلى مستويات ما قبل زيادة القوات في عهد بترامب، وفي العراق، طلبت الحكومة العراقية من الولايات المتحدة الانسحاب، وبدلاً من اعتبارها فرصة لإعادة القوات إلى الوطن، رفض ترامب الطلب، وهدد بمعاقبة العراق.

أما بالنسبة لإيران فإن ترامب لم يفشل في إنهاء سياسات المواجهة فحسب، بل لقد سلك مساراً وضع الولايات المتحدة على شفير حرب جديدة في الشرق الأوسط؛ إذ تسببت سياسة ممارسة الضغوط القصوى في خسائر كبيرة بالاقتصاد الإيراني؛ فتراجع الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 15 في المئة حتى قبل تفشي جائحة فيروس كورونا، ومع ذلك، بعد ثلاث سنوات من إعادة فرض العقوبات، لم ينجح ترامب في تحقيق هدف واحد فقط من أهدافه، وفي المقابل عززت طهران السياسات التي سعت واشنطن إلى تغييرها.

إن سياسة الضغوط القصوى لم تجبر إيران على إنهاء تخصيب اليورانيوم، بل على العكس، وسعت إيران نطاق أنشطتها النووية، ولم تتخلص من برنامجها للصواريخ الباليستية، وإنما واصلت طهران اختباراتها الصاروخية الباليستية وكثفتها، وواصلت دعمها للجماعات المتحالفة معها في العراق وفلسطين ولبنان واليمن، كما أن اغتيال الجنرال قاسم سليماني، الذي يمكن القول أنه أهم قائد عسكري إيراني، «لم يردع إيران عن شن أو دعم المزيد من الهجمات ضد قوات الولايات المتحدة ومصالحها»، وفي الأسابيع القليلة الماضية، شهدنا المزيد من الهجمات ضد القوات الأمريكية في العراق، وراح ضحيتها الكثير من القتلى، مما دفع ترامب إلى التلويح بورقة الحرب في تغريدة على تويتر في 1 أبريل 2020.

ولا غرابة أن تكون النتيجة المنطقية للحرب الاقتصادية هي الحرب العسكرية، فبدلاً من إجبار إيران على الاستسلام، جعلت سياسة الضغوط القصوى الولايات المتحدة قاب قوسين أو أدنى من خوض حرب جديدة في منطقة كان ترامب وعد بالانسحاب منها.

وهذا لا ينفي أن إيران تعتبر نفسها عدواً للولايات المتحدة، أو أنها استهدفت القوات الأمريكية، أو أنها تنافس الولايات المتحدة على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي ينطبق أيضاً على حركة طالبان، لكن في سبيل هدفٍ أسمى يتمثل في سحب القوات الأمريكية من مستنقعات الشرق الأوسط، لم يتردد ترامب في طي صفحة الخلاف مع طالبان من أجل إعادة الجنود الأمريكيين والنساء إلى وطنهم.

وانتهج ترامب نهجاً معاكساً مع إيران رغم أن التخلص من التنافس الطائش مع طهران يعد خطوة حاسمة للانسحاب من الشرق الأوسط؛ فما الذي يدعوه للانخراط في منافسة للسيطرة على منطقة لا يريد السيطرة عليها، لا سيما في ظل الشكوك التي تُثار حول الاتهامات الموجهة لإيران بأنها تسعى للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، وهي الاتهامات التي ربما تروجها دول حليفة لأمريكا لديها حساباتها الخاصة التي تريد تصفيتها مع طهران، وتريد للولايات المتحدة أن تبقى في المنطقة حتى تتورط في الحرب مع الإيرانيين.

والواقع أن كل وعود ترامب بتخليص بلاده من مغامراتها في منطقة الشرق الأوسط لن تجدي نفعاً ما دام يواصل حربه الاقتصادية ضد إيران، وعليه أن يقرر: إما الانسحاب من المنطقة أو خوض حرب مع إيران؛ فلا يمكنه الجمع بين هذا وذاك.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات