ترامب يستيقظ من جديد ويعود إلى إشعال فتيل النزاعات التجارية

  • 20 يوليو 2020

عندما تنفَّس العالم الصعداء قبل أشهر، وتفاءَل بشأن انتهاء الحرب التجارية بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ودول عدّة، على رأسها الصين، عقب توقيع المرحلة الأولى من اتفاق تجاري بين واشنطن وبكين؛ جاءت أزمة كورونا لتُؤجّج الصراع مجدداً بينهما، ثم توسَّعت حتى طالت فرنسا هذه المرة.
الحدثان البارزان، هذه المرة، يتمثّل أولهما بقول ترامب مؤخراً إنه «لا يُفكر حالياً في التفاوض بشأن اتفاق تجارة «مرحلة 2» مع الصين»، في وقتٍ تشهد فيه العلاقات بين الدولتين منذ مدة توتراً؛ نتيجة الاتهامات التي تُطلقها الإدارة الأمريكية للصين على خلفية جائحة كورونا؛ حيث قال الرئيس الأمريكي بشأن ذلك: «الشراكة مع الصين مُتضرّرة بشدة. كان بإمكانهم إيقاف الوباء.. لم يُوقفوه».
أما الحدث الثاني، فكان إعلان الولايات المتحدة، في 10 يوليو الجاري، فرضَ رسوم جمركية عقابية تصل نسبتها إلى 25% على صادرات فرنسية بقيمة 1.3 مليار دولار سنوياً، في ردٍّ على الضريبة التي قررتها فرنسا على شركات الإنترنت الأمريكية العملاقة؛ وقرار واشنطن، في الوقت نفسه، تعليقَ تطبيق تلك الرسوم حتى مطلع العام المقبل، وذلك مع استمرار المفاوضات بين الطرفين، بما في ذلك الحوار داخل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
قصة الضريبة الفرنسية كانت قد بدأت عندما أقرَّ البرلمان الفرنسي، في 11 يوليو 2019، فرض ضريبة على شركات التكنولوجيا الأمريكية «غافا» (غوغل، وأمازون، وفيسبوك، وآبل)، وغيرها من الشركات المُتعدّدة الجنسيات، المتّهمة بالتهرّب الضريبي؛ وفي حينها هدّدت واشنطن بفرض رسوم جمركية على سلع فرنسية تصلُ قيمتها إلى 2.4 مليار دولار فيما لو أقدمت فرنسا على فرض ضرائب رقمية، ليتفق الجانبان في النهاية على تأجيل هذه الإجراءات إلى حين التوصُّل إلى اتفاق داخل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حول كيفية فرض ضرائب على الاقتصاد الرقمي.
وفي نهاية يونيو الماضي، عاد النزاع التجاري الأمريكي- الأوروبي ليلوح في الأفق، حول مَن يملك الأحقية في فرض ضرائب على هذه الشركات، حين أعلنت واشنطن انسحابها من المحادثات بشأن القواعد العالمية لفرض الضرائب على الاقتصاد الرقمي، الأمر الذي جعل مسؤولين أوروبيين -كوزير المالية الفرنسي برونو لومير، ومفوض الاقتصاد الأوروبي بولو جنتيلوني- يُلقون بثقلهم على الضرائب الرقمية على مستوى الاتحاد الأوروبي، ليعني ذلك كلّه أن الإدارة الأمريكية بدأت تنقم مجدداً على أوروبا، ما قد يتسبَّب باشتعال فتيل نزاع تجاري مع هذه الدول، التي هي في غنىً عنه الآن لصعوبة المرحلة التي يمرُّ بها العالم، نظراً إلى انتشار فيروس كورونا المستجد. كما يشير توجُّه الأوروبيين إلى فرض ضرائب على شركات التكنولوجيا الأمريكية، في هذه المرحلة، إلى احتمالية تزايد الانقسامات بينهم حول كيفية إجبار تلك الشركات على دفع المزيد من الضرائب إلى خزائنهم الوطنية، ما يُنبئ بحدوث تصدُّعات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه قد تضرّ بطابعه الوحدوي، وسياساته الاقتصادية التي تأخذ منحىً كبيراً تجاه التنسيق والتعاون المشترك.
أما الصين، التي عانى اقتصادها منذ بدء الجائحة كثيراً، نتيجة سياسات الإغلاق وتراجع معدلات الإنتاج والتوريد، فإنها – بتهديدات ترامب بعدم التفاوض بشأن اتفاق تجارة «مرحلة 2» معها -، تُصبح أمام معضلة أكبر تتعلق بتحوُّل الحرب الباردة بينها وبين الولايات المتحدة إلى مصدر تهديد عالمي أكبر من فيروس كورونا؛ حيث إن العالم يحتاج الآن إلى تعاون القوى الدولية لتقليص تداعيات الوباء الاقتصادية، وليس إلى إحداث اضطرابات جديدة تزيد من حدّة الانقسام بين أكبر اقتصادين على مستوى العالم، وتُدخِل الجميع في دوّامة مخاطر تقلُّص النمو.
إن توقيع ترامب تشريعاً يسمح بفرض عقوبات على مسؤولين صينيين بتهمة اضطهاد الأقلية المسلمة في ولاية زينجيانغ، وقوله المتواصل إن الصين شجَّعت على انتشار فيروس كورونا عالمياً، وتهديده بعدم استكمال المفاوضات التجارية معها، وتلويحه بفرض رسوم على السلع الفرنسية، وانسحابه من منظمة الصحة العالمية، ومحاولاته إعادة برمجة منظمة التجارة العالمية، وفق ما أعلن الممثل التجاري الأمريكي روبرت لايتهايزر، وغيرها، لن تذهب بالعالم إلا إلى زعزعة الاستقرار والضغط على الآمال المعقودة على تعاون القوى الدولية للحدّ من انتشار الفيروس وتداعياته.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات