ترامب والإيحاءات الدينية.. توظيف لأغراض سياسية

  • 7 يونيو 2020

أثارت الصورة التي ظهر بها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وهو يحمل الإنجيل، خلال زيارته كنيسة سانت جون قرب البيت الأبيض، ردود أفعال متباينة، داخل أمريكا وخارجها، حيث اتُّهم باستخدام الدين لأغراض سياسية؛ وهو أمر مثير للنقاش في دولة علمانية تقوم على عدم إدخال الدين في السياسة، أو الخلط بينهما.

هذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها ترامب الدين بشكل أو بآخر للتعبير عن نفسه؛ فقد سبق أن قام بهذا الأمر مرات عدة، سواء في كتاباته، وخاصة التغريدات عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، التي تمثل منبره الخاص، أو إيحاءاته وحركاته المختلفة، وذلك في سياقات وظروف مختلفة؛ مع أنه لا يُعرف عنه التدين، أو الاهتمام كثيراً بالمعايير الأخلاقية التي عادة ما يهتم بها رجل الدين.

ولكن هذه المرة تبدو مختلفة، حيث جاءت بينما يواجه الرئيس أزمات حقيقية، ليس بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد الذي أثر بشكل كبير في الاقتصاد وألقى بظلال من الشك على مستقبله فقط؛ بل لاندلاع تظاهرات واسعة في معظم المدن الأمريكية أيضاً؛ احتجاجاً على مقتل المواطن الأمريكي من أصل إفريقي، جورج فلويد، خنقاً على يد شرطي أبيض.

وقد تعرض الرئيس ترامب لانتقادات واسعة بسبب طريقة تعامله مع الأزمة، حيث فاقمها بتصريحاته وتغريداته التي اعتبرها البعض عنصرية أيضاً؛ ما دفع الكثيرين، وفي مقدمتهم المرشح للحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية المقبلة، جو بايدن، إلى اعتبار ترامب جزءاً من المشكلة، لا جزءاً من الحل؛ وخاصة بعد أن هدد المتظاهرين بالرصاص؛ في سابقة لم يعتَدْها الأمريكيون؛ على الأقل منذ عقود طويلة.

كما تحدثت مصادر عن غضب ترامب بعد أخبار متداولة عن اختبائه في القبو المحصن في البيت الأبيض خلال الاحتجاجات؛ ولذلك قصد كنيسة «سانت جون» القريبة من البيت الأبيض وهو يحمل نسخة من الإنجيل بهدف توجيه رسائل عدة، من بينها أنه لا يخشى الظهور، أو حتى الخروج في الشوارع التي شهدت اشتباكات عنيفة بين الشرطة والمحتجين؛ كما أنه يستعطف من خلال هذا الموقف الكثير من الفئات داخل الولايات المتحدة، التي تعتبر الدين عنصراً مهماً في حياتها.

ويحاول ترامب أن يوحي من خلال حركاته، التي ظهر فيها هادئاً أثناء تنقله، ولغة جسده، إظهار السيطرة على الموقف، وكأن التظاهرات التي وصلت إلى البيت الأبيض وأحاطت به لا تخيفه؛ ولكن الحقيقة أن لجوءه إلى «الإنجيل» يمثل دليلاً على القلق الذي ينتابه، والتوتر الذي أحدثته التطورات المتسارعة ورود الأفعال الغاضبة عليه داخل الولايات المتحدة وخارجها؛ وهو يريد أن يظهر من خلال اللجوء إلى الكنيسة وحمله للإنجيل أن له صِلات ربانية، وأنه يلجأ إلى القدرة الربانية لحل المشاكل التي يواجهها. وقد سبق أن تحدث ترامب نفسه عن أنه مبارك من الرب، وأنه يعينه، بل ويطلب منه القيام بأشياء؛ حتى يضفي على سياساته وقراراته بعداً دينياً.

والحقيقة أن لجوء ترامب إلى الدين من أجل إظهار القوة وطلب العون، يثير مسألة استخدام الدين لأغراض سياسية في الولايات المتحدة؛ حيث يلاحَظ استخدام العديد من الرؤساء تعابير دينية من أجل تبرير موقفهم السياسي أو تقويته؛ فقد استخدم الرئيس جيمي كارتر تعابير «توراتية» لإظهار دعمه لإسرائيل؛ وكان الرئيس رونالد ريغان يلجأ إلى نصوص من الإنجيل كذلك؛ أما الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش الابن، فقد تحدث عن اتصالاته الربانية؛ ثم جاء دونالد ترامب وتحدث باللغة نفسها، وحاول أن يظهر إيحاءات دينية في أكثر من موقف؛ حتى أنه استخدمها لتبرير قراراته بالاعتراف بالقدس عاصمة لـ «إسرائيل»؛ بينما لا يُعرف عنه تديّنه، أو حتى اكتراثه بكل ما هو معنوي أو حتى أخلاقي.

إذاً، يثير توظيف الدين في الخطابات السياسية واللجوء إليه من أجل العون أو تحقيق مكاسب أو أغراض سياسية، ولاسيما في دولة مثل أمريكا، أسئلة كثيرة حول مدى التزام الناس، وخاصة الزعماء والقادة، بالمبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة، وفي مقدمتها فصل الدين عن الدولة؛ وعدم إقحام الدين في السياسة.

Share