ترامب جعل من الصين ومنظمة الصحة العالمية كبشي فداء

  • 2 يونيو 2020

يتحدث تقرير مجلة «فورين بوليسي» عن دوافع سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الصين ومنظمة الصحية العالمية، حيث جعلهما كبشي فداء بعد فشله في التعاطي مع الأزمة كما يجب؛ وهو ما سينعكس سلباً على الأمريكيين أنفسهم.

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الجمعة الماضي، أن الولايات المتحدة ستنهي علاقتها مع منظمة الصحة العالمية، وهو قرار غير أخلاقي وربما غير قانوني. كما يشتمل على أكثر الجوانب السلبية في أسلوب قيادة الرئيس، وهي ميله إلى إلقاء اللوم على الآخرين ورفضه التصرف بلباقة مع الجهات الفاعلة الأخرى على المسرح الدولي وانغماسه في المصلحة الذاتية العمياء وازدرائه التام للعلم.

اتهم الرئيس ترامب منظمة الصحة العالمية التي تتخذ من جنيف مقراً لها بسوء إدارة وباء فيروس كورونا، وأمر وكالة الاستخبارات الأمريكية بالتحقيق رسمياً بشأن علاقة منظمة الصحة العالمية بالصين، وسط مزاعم من وزير الخارجية مايك بومبيو بأن ما سماه «فيروس ووهان» إما تم تصنيعه أو تسريبه من مختبر السلامة البيولوجية في مدينة ووهان، وهو الادعاء الذي تم رفضه إلى حد كبير من قبل مكتب مدير المخابرات الوطنية، الذي أعلن أنه يتفق مع الإجماع العلمي الواسع على أن فيروس كورونا كوفيد لم يكن من صنع الإنسان أو تم تعديله وراثياً.

ومثل طفل متوحش، ادعى ترامب مراراً وتكراراً أن وفاة أكثر من 100 ألف مواطن أمريكي بسبب فيروس كورونا كوفيد-19 كانت نتيجة لخطأ جهة أخرى، وهي إما الصين أو منظمة الصحة العالمية. وأشار استطلاع للرأي شمل أنصاراً للحزب الجمهوري إلى أن مهاجمة الصين تحظى بشعبية كبيرة بين مؤيدي ترامب، وأن إلقاء اللوم على الصين قد يساعد في إعادة انتخاب الرئيس في نوفمبر، ما قد يعوض عن بعض الازدراء الذي يشعر به العديد من الأمريكيين بسبب تعامل الرئيس ترامب مع أزمة كورونا كوفيد-19 في البلاد.

وتصاعدت التوترات وحملات إلقاء اللوم بين حكومتي ترامب وشي، وتفاقمت بسبب تصويت مجلس الشعب الوطني الصيني على إلغاء الجوانب الحاسمة من الحريات والديمقراطية في هونغ كونغ. وأدان كل من القادة الديمقراطيين والجمهوريين في واشنطن بشدة قيام بكين بإلغاء اتفاقية عام 1997 بين المملكة المتحدة والصين التي تمنح إقليم هونغ كونغ الاستقلال النسبي حتى منتصف هذا القرن.

وفي 28 مايو، وصفت صحيفة «People’s Daily» الرسمية في الصين إدارة الرئيس ترامب لأزمة فيروس كورونا كوفيد-19 في الولايات المتحدة بأنها «غير كفؤة» وأن أعداد وفيات المواطنين الأمريكيين بسبب الفيروس تمثل واحدة من أحلك اللحظات في تاريخ الولايات المتحدة. وفي اليوم التالي، أعلن الرئيس ترامب انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية.

وفي جميع الحالات، لا يمكن للرئيس ترامب أن يسحب الولايات المتحدة بشكل رسمي من منظمة الصحة العالمية دون منح الوكالة مبلغاً كبيراً من المال، وهو ما لا يمكنه القيام به من جانب واحد دون الحصول على موافقة الكونغرس، وذلك وفقاً للخبيرة القانونية في مجال الصحة العالمية ألكسندرا فيلان من جامعة جورج تاون. ووفقاً لمؤسسة «Kaiser Family Foundation»، التي تُعنى بهذه المعلومات، تراوحت المستحقات الأمريكية، التي يتم تقييمها استناداً إلى الناتج المحلي الإجمالي الوطني، بين 107 ملايين دولار و119 مليون دولار على مدى العقد الماضي. وبالإضافة إلى ذلك، التزمت الولايات المتحدة بتقديم ما يصل إلى 400 مليون دولار سنوياً كمساعدة طوعية. وتشير المعلومات إلى أن إدارة الرئيس ترامب لم تدفع مبلغ 81 مليون دولار من مستحقاتها في عام 2019 ولم تدفع مبلغ 118 مليون دولار المستحق عليها في عام 2020. ولم تقم إدارة الرئيس ترامب بدفع 900 مليون دولار من التزامات إدارة الرئيس السابق أوباما التي تم التعهد بها خلال الفترة 2018-2019.

وفي حال تمكن الرئيس ترامب من تجاوز عقبات الكونغرس والحصول على التمويل الكافي، فإنه لا يزال يواجه مخاطر أخلاقية كبيرة. فمعظم إنفاق الوكالة على البرامج الصحية مخصص لأشد الناس فقراً وضعفاً في العالم. وبالإضافة إلى خسارة الأموال الأمريكية، تواجه منظمة الصحة العالمية عجزاً قدره 1.3 مليار دولار في الأموال من مصادر أخرى وتجاوز الميزانية المخصصة لحالات الطوارئ، بما في ذلك وباء الإيبولا الكونغولي، ووباء فيروس كورونا كوفيد-19.

لقد عانت برامج التحصين في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك جهود القضاء على شلل الأطفال، بسبب عمليات الإغلاق وتحويل العاملين في مجال الصحة العامة إلى معركة السيطرة على وباء كورونا. ففي 22 مايو، حذرت مجموعة من المنظمات الدولية، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، من أن 80 مليون طفل الذين يبلغون أقل من عام واحد معرضون لخطر الإصابة بالحصبة والدفتيريا وشلل الأطفال وغيرها من الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات. ومع سحب الولايات المتحدة لدعمها المالي المقدم لمنظمة الصحة العالمية، من المرجح أن تعاني جهود التطعيم هذه نكسات أخرى.

وتقدر الأمم المتحدة أن 130 مليون شخص قد يغرقون في الفقر المدقع بسبب تأثير الوباء على الاقتصاد العالمي، ما يخلق المزيد من الاحتياجات الصحية. وتعطلت برامج مكافحة الملاريا في جميع أنحاء العالم بسبب مشاكل سلسلة التوريد وحالات الإغلاق، ما أدى إلى انقطاع توصيل المواد والأدوية ومعدات الاختبار الخاصة بمكافحة الملاريا.

وبالإضافة إلى تعريض حياة أفقر فقراء العالم للخطر، فإن الولايات المتحدة، من خلال الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، ترسل المزيد من الإشارات إلى العالم بأن إدارة الرئيس ترامب تعتزم أن تطبق شعارها «الولايات المتحدة أولاً» في مكافحة فيروس كورنا. وفي الوقت الذي يقوم فيه بقية العالم بتشكيل تحالفات تجارية وبحثية، ويلتزم بالعمل معاً لإيجاد علاجات ولقاحات لفيروس كورونا، لم تنضم إدارة الرئيس ترامب إلى أي منها. وفي حين أنه من الممكن أن يتم تطوير أول لقاح فعال للفيروس من قبل شركة أمريكية، إلا أنه من المحتمل أن يأتي الابتكار من الصين أو أوروبا أو آسيا أو ربما أمريكا اللاتينية. ولهذا، فقد يجد الشعب الأمريكي نفسه في أسفل القائمة للوصول إلى مثل هذا اللقاح المنقذ للحياة لأن الرئيس ترامب اختار عدم المشاركة في جميع الاتفاقيات والتعاون الدولي.

فشل الرئيس ترامب في معركته مع الصين مع الرسوم الجمركية في عام 2019، ما أجبره على تقديم إعانات هائلة للمزارعين الأمريكيين الذين يواجهون الإفلاس بسبب فقدان الحبوب وصادرات الماشية. وعندما ظهر فيروس كورونا لأول مرة، كان الرئيس ترامب يحاول إعادة تنظيم الصفقات التجارية مع الصين، لذلك أخبر بثقة تجمعاً للنخب المالية في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، أن الصين تسيطر على الوباء وأنه لا يوجد ما يدعو للقلق حيال ذلك. وعندما اتضح أن فيروس كورونا كان وباء، فرض الرئيس ترامب قيوداً على السفر وأكد للأمريكيين أنه لا يوجد ما يدعو للقلق. وعندما أصبح من الواضح أن هناك بالتأكيد ما يدعو الكثير من الأمريكيين للقلق، وسط انتشار الفيروس في الولايات المتحدة وردة الفعل الفيدرالية المتخبطة، ألقى الرئيس ترامب باللوم على الصين. لم تستغرق لعبة اللوم بين الولايات المتحدة والصين وقتاً طويلاً حتى أصبحت سامة. وقام بعدها الرئيس ترامب بإضافة منظمة الصحة العالمية إلى قائمة أكباش الفداء.

سيؤدي هذا السلوك البغيض إلى إلحاق الألم بالأطفال في ساحات معارك مكافحة الجائحة وفي كل مجتمع فقير يعتمد على منظمة الصحة العالمية في توفير أغذية الطوارئ وتحصين الأطفال والأدوية الأساسية والتوجيه. إن قرار الرئيس ترامب بمعاقبة الآخرين على إخفاقاته الشخصية ليس مفاجئاً في هذه المرحلة من رئاسته، وهو قرار يستحق الشجب.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات