تراجع الطاقة النووية بدأ قبل حادث "فوكوشيما"

  • 14 نوفمبر 2011

في مقابلة حصرية أجراها معه الموقع الإلكتروني لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أشار أنتوني ب. فروجارت، وهو زميل باحث أول في برنامج البيئة والتنمية بمركز تشاتهام هاوس في بريطانيا، إلى أن التطورات السريعة في تقنيات مصادر الطاقة المتجددة تدفع حتى أكثر الدول نشاطاً في المجال النووي إلى التساؤل حول قابلية برامجها النووية على الاستمرار والنمو. وأكد فروجارت أن مأساة مفاعل فوكوشيما أبرزت بشكل كبير اتجاهاً كان قائماً بالفعل نحو الابتعاد عن استخدام الطاقة النووية.

وقد أجريت المقابلة على هامش مشاركة فروجارت في المؤتمر السنوي السابع عشر للطاقة، بعنوان: "أسواق الطاقة العالمية: متغيرات في المشهد الاستراتيجي"، والذي نظمه المركز، في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2011. وفيما يلي نص المقابلة.

س: هل ترى أن هناك أي تغير في الإدراك العام وإدراك حكومات العالم ضد الطاقة النووية بعد مأساة مفاعل فوكوشيما التي وقعت في مارس/آذار 2011؟


ج: إن ما رأيناه كنتيجة لحادث فوكوشيما هو أن عدداً من الدول التي كان يساورها القلق سلفاً إزاء الطاقة النووية تسرع حالياً في اتخاذ القرارات بخصوص الابتعاد أو التخلي عن استخدام الطاقة النووية. وتعد ألمانيا  مثالاً واضحاً لهذه الدول. ففي أواخر حقبة التسعينيات من القرن المنصرم، سنّت ألمانيا تشريعاً للتوقف التدريجي عن استخدام الطاقة النووية. وقد ألغي هذا التشريع لاحقاً. ولكن بعد حادث فوكوشيما، عادت ألمانيا إلى قرارها السابق بالتخلي التدريجي عن استخدام الطاقة النووية. ومن ناحية ثانية، نرى دولاً أوربية أخرى تساورها شكوكاً متزايدة إزاء الطاقة النووية، ما يجعلها تسن، أو تسعى لسنّ، تشريعات في هذا الخصوص. وعلى سبيل المثال، جرى استفتاء في إيطاليا، صوّت فيه الإيطاليون ضد العودة إلى استخدام الطاقة النووية. علاوة على ذلك، من المحتمل أن ترفض الحكومة السويسرية الخيار النووي، وأعلنت الحكومة البلجيكية الجديدة بالفعل أنها سوف تتخلى عن استخدام الطاقة النووية على نحو تدريجي.

ومع ذلك، هناك بعض الحكومات في أوروبا ما زالت تعلن رغبتها في الاستمرار في برامجها النووية. وفي الحقيقة، يمكن ملاحظة ردود الأفعال المتباينة تلك حول العالم. فعقب حادث فوكوشيما، شهدنا إنشاء مفاعلات جديدة في الهند وباكستان. غير أن دولة مثل الصين- التي تمتلك حالياً 40% من المفاعلات قيد الإنشاء في العالم – لم تشرع في بناء أية مفاعلات جديدة هذا العام؛ إذ يبدو أنها جمدت برنامجها للتوسع النووي بعد حادث مفاعل فوكوشيما.

س: هل يعني هذا أن الصين أرجأت خططها لبناء مفاعلات نووية جديدة؟ وهل تعتقد أنها تقوم بخفض عدد مشروعاتها النووية تأثرا بمأساة فوكوشيما أم ثمة عوامل أخرى تؤثر في هذا الأمر؟

ج: إن بناء المفاعلات النووية في الصين كان يجري بمعدل سريع للغاية منذ وقت مبكر. وتتضمن خطتها الخمسية الثانية عشرة أهدافاً طموحة للغاية. وباعتقادي أنه من الواضح أن الصين لن تتمكن الآن من تحقيق أهداف هذه الخطة. بيد أن الصينيين لا يتحدثون في الوقت الراهن عن فكرة التخلي عن الطاقة النووية، ولكنهم يتطلعون إلى الدروس التي يمكن استقاءها من مأساة فوكوشيما. ومن المعتقد أيضاً أنهم ربما يستخدمون هذا الحادث كمبرر لإبطاء وتيرة برنامجهم النووي، والذي كان يسير بسرعة بالغة في السابق بما كان يؤدي إلى مشكلات هندسية ورقابية، ولذلك فهم يأخذون خطوة إلى الوراء. وعلى هذا الأساس، فمن الواضح جداً أن هذا سوف يؤثر في هدف تطوير الطاقة النووية في الصين.

وباعتقادي أن الطاقة النووية كانت تعاني سلفاً من مشكلات تتعلق بتطويرها على الصعيد العالمي قبل وقوع حادث فوكوشيما. فمنذ بلوغ الإنتاج النووي ذروته في عام 2002، ونحن نشهد تراجعاً في العدد الإجمالي للمفاعلات العاملة؛ نظراً لزيادة عدد المفاعلات التي أغلقت عن عدد تلك التي جرى تدشينها. وثمة أسباب متعددة تفسر هذا الاتجاه. فأولاً، هناك مسألة توفّر البدائل. ففي السنوات القليلة الماضية، على سبيل المثال، كان يشاع أن الولايات المتحدة ستشرع في إنشاء برنامج نووي جديد. وقد أصبح هذا الاحتمال غير مرجح بشكل كبير في الوقت الراهن؛ وهذا يعود بالأساس إلى انخفاض أسعار الغاز إلى الدرجة التي تجعل استخدام الطاقة النووية غير مجد من الناحية الاقتصادية. بعبارة أخرى، إن بدائل الطاقة النووية متوافرة في أجزاء كثيرة من العالم. فنحن نشهد تطوراً واعداً في ميدان الطاقة المتجددة بطريقة لم نشهدها من قبل.

س: هل المشكلات المالية الراهنة ستدفع بعض الحكومات أيضا للاتجاه نحو الطاقة المتجددة كبديل للطاقة النووية؟

ج: صحيح أن هناك الكثير من دواعي القلق حالياً إزاء قبول الرأي العام للمشروعات النووية. ولكني أعتقد أن تكلفة الطاقة النووية هي العامل الأكثر أهمية في الوقت الراهن، من حيث التكلفة المرتفعة لإنشاء المفاعلات، وتزايد هذه التكلفة على نحو مستمر. فضلاً على ذلك، فإن تكلفة رأس المال تتزايد أيضاً. ومن ثم، فالمؤسسات المالية التي كانت على استعداد لإعطاء القروض لصالح تطوير الطاقة النووية ربما لم تعد راغبة في ذلك، أو على الأقل فإن تكلفة اقتراض الأموال سترتفع بشكل كبير.

س: ما هي التطورات الكبيرة الحادثة في مجال الطاقة المتجددة والتي من شأنها أن تقلل الاعتماد العالمي على الطاقة النووية خلال العقود المقبلة؟

ج: إن قطاع الطاقة ككل يشهد فورة غير مسبوقة. وقد حدثت هذه الفورة في ظل وجود متغيرات مثل تطوير الغاز الصخري، والجدوى الاقتصادية لعملية احتجاز وتخزين الكربون، وآفاق خلايا الطاقة الشمسية في تحقيق التعادل بين تكلفة المصادر البديلة والمصادر التقليدية لإنتاج الطاقة.

وفي اعتقادي أن آفاق المستقبل مشرقة بصفة خاصة بالنسبة لتقنية الألواح الشمسية. ولذلك، فإن لدينا جميع هذه التطورات، وإذا استثمرنا في الطاقة النووية في الوقت الراهن في ظل كافة الشكوك المحيطة بها من المنظور المالي ومن منظور التطور التكنولوجي، فإننا نحبس أنفسنا بذلك في مسار محدد لتطوير الطاقة. ولذلك، فمن المنطقي أن نتوقف لبرهة فحسب لنفكر في الكيفية التي يمكن لتقنيات الطاقة المتجددة أن تتطور بها.     
          

Share