تراجع أهمية "أوابك"

  • 14 نوفمبر 2010

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على الإنترنت مقابلة مع الدكتور عدنان مصطفى، وزير النفط والثروة المعدنية الأسبق في سورية، والأمين العام المساعد الأسبق لمنظمة أوابك ورئيس الجمعية الفيزيائية العربية، على هامش مشاركته في فعاليات المؤتمر السنوي السادس عشر للطاقة، والذي عقده المركز في الفترة من 8-10 نوفمبر 2010، ألقى خلالها الضوء على قطاع النفط والغاز السوري، واحتمالات إحياء خط أنابيب كركوك-بانياس، ودور منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك)، وإمكانية حدوث أزمة في الإمدادات النفطية العالمية. وفيما يلي نص المقابلة:

س1: هل يمكن أن تلقوا بعض الضوء على قطاع النفط والغاز في سورية؟

ج: سورية دولة غير غزيرة الإنتاج النفطي؛ حيث تنتج نحو 350 ألف برميل يومياً فقط (وفقاً لبيانات وزارة النفط السورية في نوفمبر 2010)، وهذا الإنتاج يغطي بالكاد الطلب المحلي على الطاقة. ويمكن اعتبار سورية حالياً دولة مكتفية ذاتياً. وإن كانت تصدر جزءاً من النفط الخام، فإن ذلك مقابل استيراد بعض المشتقات البترولية، وخاصة من اليونان. وبالنسبة لجانب الطلب، نلاحظ أن الطلب المحلي ينمو بشكل أسي. ولذلك، أتصور في غضون أربعة إلى خمسة أعوام، لن يتمكن الإنتاج السوري من تغطية الطلب المحلي المتزايد على الطاقة، وستتحول سورية إلى دولة مستوردة للبترول، إن لم تفكر في بدائل أخرى، مثل الطاقة الكهرونووية وغيرها.
 
س2: في الفترة الأخيرة، تحسنت العلاقات السورية-العراقية، فهل سيكون ذلك مقدمة لإحياء خط أنابيب بترول كركوك-بانياس؟

ج: تم إغلاق خط كركوك-بانياس عندما كنت وزيراً للنفط والثروة المعدنية، بقرار سياسي، ومثل ذلك خسارة للدولتين، ولاسيما العراق. ويعود هذا الخط لعام 1952، وكان قد أعيد تشغيله في عام 2000، إلى أن تم إغلاقه مرات عديدة، كان آخرها عام 2003 بسبب الحرب على العراق. وحالياً، فإن الأمور جارية على قدم وساق من أجل إعادة تأهيل هذا الخط. وفي الحقيقة، إن إعادة تشغيل الخط يحقق ثلاث فوائد لسورية، أولها: تحقيق التفاهم السياسي بين البلدين والذي افتقداه لعقود، وثانيها: العوائد المادية التي ستجنيها الحكومة السورية مقابل مرور النفط العراقي على أراضيها إلى مضخات تصديره على شواطئ المتوسط، وثالثها: أن سورية سوف تستورد النفط العراقي بأسعار تفضيلية (قبل 2003، كانت سورية تستورد حوالي 200 ألف برميل نفط يومياً). وبالجملة، سوف يساهم إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك-بانياس في تطوير الوضع التنموي في سورية إلى حد كبير. أما بشأن مدى استفادة سورية من تطور الإنتاج العراقي من النفط، فأتوقع أن الاستفادة ستكون ضئيلة؛ لأننا نعرف أن من يسيطر على النفط العراقي لن يسمحوا لسورية بالاستفادة. ولذلك، لست متفائلاً بأن تطور الإنتاج العراقي سينعكس إيجابياً على سورية.

س3: شغلتم منصب الأمين العام المساعد لمنظمة أوابك، كيف تنظرون إلى دور المنظمة في تطوير التعاون العربي في مجال البترول؟

ج: منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) هي منظمة إقليمية سلعية متخصصة ذات طابع دولي، أنشئت في عام 1968، وتتخذ من الكويت مقراً لها. وتهدف المنظمة إلى التعاون فيما بين أعضائها؛ لتحقيق أفضل السبل لتطوير الصناعة البترولية في شتى مجالاتها، وللإفادة من مواردها وإمكاناتها لإقامة المشاريع المشتركة، وخلق صناعة بترولية متكاملة. وتضم المنظمة حالياً عشرة أعضاء عاملين، هم: الإمارات، البحرين، الجزائر، السعودية، سورية، العراق، قطر، الكويت، ليبيا، ومصر. فيما انسحبت تونس من المنظمة لظروف خاصة بها.

كتبت كثيراً عن مؤتمر الطاقة العربي، الذي تنظمه أوابك؛ لأني واحد من آباء المؤتمر. وقد عقد مؤتمر الطاقة العربي التاسع في الدوحة، خلال الفترة 9-12 مايو 2010، تحت شعار "الطاقة والتعاون العربي". وفي الحقيقة، إذا سألتني عن دور أوابك وفقاً لرسالتها في جعل البترول العربي يخدم التنمية العربية، فسنجد أن المنظمة قزّمت وتمت محاصرتها؛ لأن القرار السياسي غير قادر على عمل اختراق. وإذا رجعت إلى مقررات مؤتمرات الطاقة العربية الثلاث الأخيرة، تجد أنها مجرد هدر كلام. وعندما أتحدث عن مؤتمر الطاقة العربي، كأني أتحدث عن ابن عاق لا يسير في الاتجاه المطلوب. والمفروض أن يتخذ مؤتمر الطاقة العربي قرارات تتسق مع عقيدة "أوابك".

كتبت مؤخراً مقالاً عن "البترول العربي الذي كان"، نشر على موقع أخبار النفط والغاز السوري (http://www.syria-oil.com)، جاء فيه "يبدو من الإنصاف بمكان التأكيد على أن الآلة الفكرية المميزة والمتقدمة العاملة في قلب الأمانة العامة لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، قد عبرت عن مقدرتها البارزة في إظهار مختلف المظاهر الحضارية التي قامت عليها عقيدة أوابك من جهة، وجلاء العديد من عطاءات الاستغلال الوطني–العربي المشترك للثروة البترولية من جهة أخرى. ونخص بالذكر تلك البحوث المعنية بحسن إدارة مصادر الطاقة العربية واستغلالها وتطويرها، وصناعات التكرير والبتروكيماويات والغاز الطبيعي القائمة في الوطن العربي، وتوليد واستهلاك الكهرباء." ولكني استدرجت قائلاً: "واحسرتاه! لقد ذهبت أصوات رجال/نساء الأوابك في البيداء، كما يقول التعبير البريطاني. ولسنا بحاجة، في هذا الصدد، إلى أية إشارة تذكر حول طبيعة الأوراق القطرية المقدمة للمؤتمر العربي التاسع للطاقة. فالكل يعرف أنها جاءت عبر تشاطر كتابي لا علاقة له بالواقع القطري البترولي من قريب أو بعيد. والسبب بمنتهى الشفافية العلمية أنها نقشت عن أعمال سابقة جرى تقديمها في مناسبات أخرى، مع الأخذ بنظر الاعتبار حسن تجديد محرريها لمعظم الأرقام والجداول والخرائط المتاحة للجميع عبر الإنترنت." إن تفعيل دور منظمة "أوابك" يحتاج إلى قرار سياسي، على الرغم من أنني غير متفائل في هذا الخصوص.   

س4: بصفتكم خبيراً في شؤون الطاقة، كيف تنظرون إلى حالة البحث والتطوير في مجال الطاقة في دول الخليج العربية؟

ج: كانت أوابك هي الباب لتطوير البحث في مجال الطاقة، وإنشاء مراكز تفكير طاقوية في العالم العربي. في هذا الخصوص، أنشأنا مركزاً لبحوث الطاقة في أوابك، عندما كنت أميناً عاماً مساعداً للمنظمة. ولكنه الآن أصبح مجرد مكيتب صغير، يضم شخصاً واحداً وسكرتيرة. وفي الواقع، فإن موضوع البحث في الطاقة مهمل كثيراً في العالم العربي عموماً. وأرى أن العلماء العرب في مجال الطاقة اغتيلوا أو قتلوا. وآخر مقال كتبته في هذا الخصوص هو: "في ظلام المنجم البترولي العربي: أثمّة بصيص نور؟"، نشر على الموقع الإلكتروني المذكور آنفاً، بتاريخ 27 سبتمبر الماضي. في هذا المقال، أكدت أن العديد من أنظمة الحكم العربية لا يعير بالاً لوجود "سكان مدرسة العلم العربية الأحياء". لهذا، انهار "منجم الذهب العلمي العربي" على رؤوس الشعب العربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، مثلما انهار منجم نحاس "سان خوزي" في شمال تشيلي على رؤوس 33 عاملاً في أغسطس الماضي. ولكن المفارقة أنه في الحالة التشيلية، حضر رئيس الدولة والمسؤولون، وتم توظيف التكنولوجيا الحديثة لإنقاذ العمال، ونجحوا في ذلك. أما في الحالة العربية، فلم يأبه صناع القرار التنموي العربي للانهيار المعنوي/المادي الآخذ بناصية أسواق البحث والتطوير العلمية العربية. لهذا، لم يزل مئات الآلاف من العلماء العرب محتجزين في جوف "منجم اليأس البترولي العربي"  المنهار!

وقد حاولت مؤخراً تأسيس أكاديمية عربية للعلوم، واتصلت بالمسؤولين العرب لدعم الفكرة، لكنني لم أحصل إلا على كلام فقط. وهذا يقودني إلى تجربة مؤتمر الطاقة السنوي في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. ويمثل هذا جهداً عربياً واضحاً في البحث والتفكير في مجال الطاقة، بعد أن أهمله الآخرون. ولذلك، سعدت بالمشاركة في هذا المؤتمر المهم. ويجب أن أشير أيضاً إلى جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، التي افتتحت في سبتمبر 2009، والتي تعتبر خطوة جيدة في هذا الخصوص. غير أن لي تحفظات على كون كثير من عناصر مجلس إدارتها غير عرب، برئاسة البروفسور تشون فونغ شيه من سنغافورة. 
    
س5: صدرت مؤخراً بعض التقارير تشير إلى قرب حدوث أزمة في الإمدادات النفطية العالمية. فهل تَصدق هذه التوقعات؟ وإذا كانت الإجابة بـ"نعم"، فكيف ستكون آثارها الاقتصادية؟

ج: هذه مجرد إشاعات، وتهدف إلى خلخلة الاستقرار في مناطق اتخاذ القرار في الدول المصدرة للبترول، سواء أكانت عربية أم غير عربية، والغرض منها هو التأثير في أسعار النفط من أجل خدمة مصالح الدول الغربية. ولا أستبعد أن يكون وراء هذه الشائعات شركات البترول الخمس الكبرى المسيطرة على النفط. وأؤكد أنه لن يحدث شيء من هذا القبيل.

Share