تدهور نوعية التعليم في المنطقة

  • 4 فبراير 2010

مدافعاً عن وجوب انتقال التعليم من أسلوب الاستظهار إلى فهم المعرفة وتطبيقها، أكد بول داير، الباحث المشارك في كلية دبي للإدارة الحكومية – خلال المقابلة الحصرية مع موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية على الانترنت – أن هناك ضرورة عملية لتعليم أكثر شمولية وقابلية للتكيف مع احتياجات السوق في المنطقة. كما يدعو داير، الذي يشارك في إدارة مبادرة شباب الشرق الأوسط، إلى دفع حدود التعليم وتشجيع التفكير النقدي وتطوير المهارات الحيوية لدى الشباب.

وقد أجريت هذه المقابلة على هامش مشاركة بول داير في فعاليات المؤتمر السنوي الخامس عشر، والذي عقده المركز في الفترة من 1-3 فبراير 2010، بعنوان: "مخرجات التعليم وسوق العمل في دول مجلس التعاون." وفيما يلي نص المقابلة.

س1: ما هو الدور الذي يمكن أن تقوم به كلية دبي للإدارة الحكومية في جعل التعليم متوافقاً مع احتياجات العصر؟

ج: من منظور كلي، يمكن لكلية دبي للإدارة الحكومية أن تؤدي دوراً صغيراً إلى حد ما في هذا المجال. ولكننا نحاول، من خلال التواصل مع الأوساط التقليدية الأكاديمية وغيرها، توفير نافذة نستطيع من خلالها تجميع أشخاص من قطاعات مختلفة، وتأسيس حوار بناء فيما بينهم. هذا هو دورنا الرئيسي كمؤسسة، بالإضافة إلى مهامنا الأخرى في تعليم وتدريب صناع السياسات وقادة المستقبل في الوطن العربي.

س2: حدثنا عن مبادرة شباب الشرق الأوسط. ما هي أهدافها؟ وإلى أي مدى استطاعت كلية دبي للإدارة الحكومية تحقيق هذه الأهداف؟

ج: أولاً، مبادرة شباب الشرق الأوسط هي مبادرة مشتركة أطلقت من قبل مركز ولفنسون للتنمية في معهد بروكنغز بواشنطن بالتعاون مع كلية دبي للإدارة الحكومية في يوليو 2006. وهذه المبادرة عبارة عن مشروع بحثي يمتد على ثلاث سنوات، يرمي إلى تعزيز فهم الأبعاد المتعددة لعدم إدماج الشباب اقتصادياً واجتماعياً. والهدف هنا هو تعزيز التعاون بين الباحثين وصانعي القرار الإقليميين لتطوير استراتيجيات وخطط عمل أكثر فعالية لتفعيل دور الشباب، وتعزيز إدماجهم اقتصادياً واجتماعياً في الشرق الأوسط. بعبارة محددة، تهدف المبادرة إلى توفير تشخيص أكثر عمقاً للتحديات الاقتصادية التي يواجهها الشباب في الشرق الأوسط، وتوجيههم إلى كيفية إيجاد حلول فعالة لها.

وقد أتاحت لنا المبادرة إيجاد شبكة من العلماء المرموقين على المستويين الإقليمي والدولي للقيام بأبحاث مهمة عن الشباب في العالم العربي أو في الشرق الأوسط الأوسع. كما أنها ساعدت أيضاً في إشراك شبكة أوسع من صناع القرار والناشطين الذين يعملون مع الشباب. ومن خلال هذه الشبكة من العلماء وصناع القرار، ساعدنا في وضع بعض المبادئ التوجيهية الخاصة بأجندة سياسة جديدة لفئة الشباب، في إطار منظور قصير وطويل الأجل، وابتدعنا طرقاً فعالة لإدماج المزيد من الشباب ضمن العملية الاقتصادية. ولكن الانتقال من هذه المبادئ التوجيهية إلى التغييرات الفعلية على الأرض موضوع ملئ بالتحديات. ومن ثم، فإن السؤال هو كيف يمكن للأبحاث في الهيئات الأكاديمية الوصول إلى صناع القرار، وكيف يمكن العمل معهم لإحداث تغييرات فعالة في السياسات المتبعة.

س3: ما هي التحديات الرئيسية التي تواجه الشباب في هذه المنطقة فيما يتصل بالتعليم والعمل؟

ج: في الأساس، فإن جودة التعليم متدنية في الشرق الأوسط. لقد استثمرت حكومات المنطقة كثيراً في قطاع التعليم، وتشييد المزيد من المدارس، وتوظيف المعلمين الجدد. ولكن رغم جهود الإصلاح، فإنها لم تكن ناجحة تماماً في تغيير نمط التعليم المتاح لفئة الشباب بحيث يتلاءم مع احتياجات الاقتصاد الحديث والمتغير، ويبقى مستوى التعليم متدنٍ رغم الاستثمار فيه. ولهذا، فإن الأمر لا يزال يحتاج إلى التحول من تعليم تقليدي يعتمد على الاستظهار كثيراً، أو الحفظ عن ظهر قلب، إلى تعليم ديناميكي يحفز قدرة الجيل الشاب على استيعاب المعرفة وتطبيقها في العالم الحقيقي، ويكسبهم مهارات تحليل وحل المشكلات التي يحتاجونها. ورغم وجود العديد من برامج وسياسات التعليم، إلا أنها غالباً ما تتعثر بسبب غياب مشاركة القطاع الخاص وعدم ملاءمتها لمتطلبات سوق العمل. ومن ثم، فإن التحدي الأساسي الآخر هو تنشيط القطاع الخاص لتوظيف الشباب، أو التواصل معهم لإيجاد فرص عمل. وجزء من وصل الجسور بين الطرفين يتم عبر بناء مهارات أكثر واقعية لجيل الشباب، والسماح، في الوقت نفسه، للشركات بالمجازفة أكثر وتوظيف الجيل الشاب. ولهذا، ربما يجدر بنا أن نقوم بتغيير قوانين سوق العمل تدريجياً؛ بحيث تكون أكثر مرونة وانفتاحاً، وإتاحة الفرصة أمام الشباب لتجربة الأنواع المختلفة من الوظائف، وتشجيع شركات القطاع الخاص.

س4: هل يقوم نظام التعليم في المنطقة بملء الفجوة المتمثلة بالمهارات المطلوبة لتحسين الإنتاجية؟ كيف تشخص النجاحات والإخفاقات في هذا المجال؟

ج: عندما نتحدث عن فجوة المهارات في المنطقة، فإننا نصدر عن منظور الاقتصاد الموجه. ومن ثم، فإننا نريد تحديد مهارات معينة وصناعات محددة سوف تصبح صناعات المستقبل، وتحضير جيل الشباب لاستلام هذه الوظائف. والأمر الذي يسم الاقتصاد الموجه هو أنه يحتاج إلى توجيه طوال الوقت. وكل تدخل يفرض على الاقتصاد يؤدي إلى حدوث تغييرات قليلة فيه، بحيث تنشئ مشاكل جديدة تتطلب معالجتها. ولهذا، فعندما ننظر إلى فجوة المهارات، فربما هناك طرقاً للخروج منها بحيث لا يتم التركيز على صناعات أو مهارات معينة، بل يتم التركيز بالأحرى على توفير تعليم أكثر شموليةً وقابلية للتكيف مع احتياجات السوق لجيل الشباب. وبالتالي، عندما يكبرون ويبدؤون باتخاذ قرارات سوق العمل، يمتلكون القدرة على تولي الوظائف التي يرغبونها. كما أنه من المستحيل تعريف ما سوف تكون عليه صناعات الغد. إذا سألت الناس منذ 20 سنة مضت عما سوف يكون عليه الاقتصاد اليوم، والذي يعمل بواسطة التكنولوجيا، فلن تكون قد أعددت الناس للوظائف المطلوبة بهذه الطريقة.

الأمر المهم الذي يمكن القيام به للشباب اليوم هو توفير تعليم ذي جودة عالية وواسع الأفق ومتلائم مع احتياجات السوق. كما لا يجب تدريبهم على القيام بأعمال متكررة وغير مرتبطة بالمعرفة. لم نعد نحتاج إلى أناس يصنعون السيارات؛ فالروبوت يقوم بذلك. كل العمليات المتكررة والتي تتطلب عمل ثابت، وليس إلى تفاعل فكري، سوف تتم بواسطة الكمبيوتر في المستقبل. ولهذا، ما يجب التركيز عليه فعلاً هو دفع حدود التعليم، من خلال تشجيع التفكير النقدي، وتطوير القدرة على تحليل وحل المشكلات، وصقل المهارات الحيوية مثل التواصل والقيادة، وتكيف مخرجات التعليم مع متطلبات الاقتصاد. إن المشكلة في النظام المعتمد على الاستظهار هو تقييم الطلاب على أساس مدى حفظ المعرفة مع إيلاء اهتمام أقل بفهمها أو كيفية تطبيقها.

س5: ماذا تعني بظاهرة "استبعاد الشباب"، والتي ذكرتها في محاضرتك أمام المؤتمر؟

ج: هنالك الكثير من الكلام في المنطقة حول "الفرصة الديموغرافية"؛ أي الزيادة في عدد الشباب في سن العمل، والحاجة إلى اغتنامها؛ لأنها تفتح آفاقاً للتنمية الاقتصادية. كما تم بذل جهود معتبرة للاستثمار في الشباب، سواء في مجال التعليم وإيجاد فرص العمل. ومع ذلك، لا يزال أكثر الشباب في المنطقة يعاني من الاستبعاد بأشكال مختلفة. فالدور الأساسي للمؤسسات التي تشكل تصرفاتنا كفاعلين اقتصاديين هو تسهيل عملية انتقال الشباب من مرحلة التعليم إلى إيجاد عمل جيد والاستقرار والزواج وتأسيس أسرة وسواها. وهذه عمليات معيارية وطبيعية. ولكن الشباب في هذا الجزء من العالم، وبسبب العمليات المؤسسية، لا يستطيعون القيام بهذه التحولات بشكل منتج. وهذا ما نعنيه بالاستبعاد. بعبارة محددة، هم مستبعدون من القيام بأدوارهم الطبيعية.

س6: ما هي الحلول لمواجهة ظاهرة "استبعاد الشباب"؟

ج: على أبسط المستويات، وعند النظر إلى حلول معينة لمشكلات التعليم والتوظيف، يجب التأكد من معاينة إمكانات هذه الحلول، والإطار الكلي للانتقال إلى حالة البلوغ أو الشباب. يجب أن نعرف كيف تؤثر توقعات الزواج وتشكيل العائلة على قرارات الشباب بخصوص التوظيف. يجب أن نعرف أن توقعات التوظيف تشكل ما يريد الطلاب الاستثمار فيه. ولهذا، يمكن أن تنشئ نظام تعليم مبدع وعظيم. ولكن إذا لم تتغير حوافز سوق العمل، فإن الطلاب لن يقوموا بتمضية أربع سنوات من الدراسة في هذا النظام العظيم، إذا ما كانوا يفكرون بأنه من الأفضل الحصول على وظيفة في القطاع العام.

س7: لقد تكلمت عن قوانين العمل التي تحد من نمو القطاع الخاص. ولكن الحكومات تشجع أيضاً المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وغيرها من كيانات القطاع الخاص. كيف تنظر إلى هذه الظاهرة؟

ج: هنالك جهد يبذل لتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ولكن، في الواقع، فإن هذه المؤسسات هي المعرضة أكثر للقيود التنظيمية؛ حيث تستطيع الشركات كبيرة الحجم استيعاب تكلفة هذه القيود. ولكن طالما أن الشاب يجد صعوبة في الإجراءات المطلوبة للشروع بإنشاء مؤسسة عمل، وطالما أنه من الصعب على مؤسسة صغيرة توظيف الناس وفصلهم من العمل، فإننا نضع العقبات في وجه المقاولات. وربما هذا يفسر لما أمريكا معروفة بالمقاولة، ولما الأسواق الاقتصادية الموجهة مثل الأسواق الأوروبية التقليدية ليست كذلك. إن مرونة الترتيبات الأميركية تتيح مزيداً من عمليات إنشاء الشركات. النقطة المهمة في هذا الأمر عند التكلم عن المقاولة هي أن القضايا التي تؤثر على تنظيمات القطاع الخاص يكون لها تأثير أكبر على الشركات الصغيرة. وطالما لدينا بيئة تشيع فيها القوانين الجامدة، يكون لدينا مصاعب في إنشاء شركات فعالة.

المسألة الكبيرة الأخرى هي الإفلاس. فالكثير من شركات المقاولة جديدة وديناميكية ومعرضة للخطر. وإذا لم يتم السماح لهذه الشركات بأن تفشل، وللأشخاص بأن يغلقوا أعمالهم قانونياً واسترجاع الأصول المتبقية، فإن هؤلاء الأشخاص سوف يترددون في المجازفة في خوض العمل. وفي هذه الحالة، فحتى مع ازدياد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فإنها لن تكون مقاولة أو مبدعة.

Share