تدفقات رؤوس الأموال وفقاعات الأصول في أسواق الاقتصادات الناشئة

  • 9 ديسمبر 2010

مع استمرار معاناة الدول الغربية المتقدمة من تبعات أزمة الديون الضخمة التي تئن تحت وطأتها، بدأت محركات النمو الاقتصادي العالمي تتجه نحو الاقتصادات الناشئة، وبشكل خاص إلى ما يعرف بدول مجموعة البريك (BRIC)، التي تضم كل من البرازيل وروسيا والهند والصين.

وفي واقع الأمر، من الخطأ تسمية بعضاً من تلك الدول بالاقتصادات الناشئة، فالصين على سبيل المثال أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم وفق إحصائيات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني من 2010، فيما صعدت الهند إلى مرتبة رابع أكبر اقتصاد من ناحية القوة الشرائية. وطبقاً لتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) فإن الأسواق الناشئة تضم حالياً ما يقرب من نصف الناتج المحلي الإجمالي في العالم.

إضافة إلى ذلك، فإن دول مجموعة البريك (BRIC) قد تخطت العديد من الدول الاقتصادية المتقدمة من ناحية نمو الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الأخيرة. فعلى سبيل المثال، يتوقع أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي للصين بنحو 10% العام الحالي وأكثر من 8% بالمائة في 2011، وفق مجلة الإيكونوميست The Economist. ولا تقل التوقعات المستقبلية للهند عن ذلك إن لم تتجاوز هذه المعدلات. بالمقابل، فإن التوقعات المتفائلة لنمو اقتصاد الولايات المتحدة للعامين 2010 و2011 تشير إلى أنه لن يتعدى حاجز الـ 3% ، أما منطقة اليورو فلا يتوقع لناتجها المحلي الإجمالي تجاوز حدود الواحد بالمائة خلال نفس الفترة.

ونتيجة لذلك فإنه من غير المستغرب توجه المستثمرين الدوليين، وبالأخص من الدول المتقدمة، إلى ضخ كثير من الأموال والاستثمارات في الأسواق الناشئة مما يزيد من تسارع قصة نجاح تلك الاقتصادات. وحسب معهد التمويل الدولي، فإن نحو 825 مليار دولار ستدخل أسواق  الاقتصادات الناشئة بنهاية العام الحالي 2010، وهذا يشكل زيادة نسبتها نحو 30% مقارنة بالعام 2009.

بيد أن هذه التوقعات المتفائلة لأسواق الاقتصادات الناشة تغاضت عن احتمال حدوث أزمة رئيسية في هذه الاقتصادات، بدأت تتخمر بسبب النمو الكبير في تدفقات رؤوس الأموال، والتي كانت الأساس وراء أزمة الرهونات العقارية في الولايات المتحدة في العام 2008 وأزمة العملات الآسيوية في أواخر العام 1990.

لقد أطلقت المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالإضافة إلى العديد من خبراء الاقتصاد المرموقين، التحذيرات بشأن التشوهات التي يمكن أن تحدثها تدفقات رؤوس الأموال في بعض الأسواق الاقتصادية الناشئة. ويحذر خبراء الاقتصاد من أن هذه التحويلات الهائلة لرؤوس الأموال، وخاصة إلى الصين والهند، تغذي فقاعات المضاربات الضخمة، التي قد تؤدي في النهاية إلى حدوث انهيار اقتصادي مفاجئ لأسواق تلك الاقتصادات، الأمر الذي قد يتسبب بنشوء أزمة عالمية جديدة.

وقد تتفاقم مشكلة تدفقات رؤوس الأموال بسبب سياسة التحفيز المالي الحالية التي يتبعها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أو بسبب برنامج "التسهيل الكمي" الذي يجري تفعيله لتصحيح معدلات البطالة المرتفعة والتضخم المنخفض في الولايات المتحدة. وهناك أنباء برزت مؤخراً تشير إلى أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بن برنانكي يفكر في طرح حزمة ثالثة من برنامج "التسهيل الكمي"، وذلك بعد ما يقارب الشهر من الإعلان عن الحزمة الثانية للبرنامج، الذي يهدف إلى شراء سندات الخزينة الأمريكية بقيمة تصل إلى 600 مليار دولار.

إن الأموال التي توفرها برامج التسهيل الكمي تشجع المستثمرين داخل  الولايات المتحدة والدول المتقدمة على الاقتراض بمعدلات فائدة منخفضة، وذلك للاستثمار لاحقاً في أسواق الاقتصادات الناشئة من خلال عمليات Carry Trade (عمليات يقوم من خلالها المستثمر ببيع عملة معينة يكون سعر الفائدة عليها منخفضاً نسبياً، ويستخدم الأموال في شراء عملة أخرى لها سعر فائدة أعلى بهدف الاستفادة من الفرق بين أسعار الفائدة). ويعني هذا أن الأموال الجديدة التي كانت مخصصة لإنعاش الاقتصاد الأمريكي سيتم ضخها إلى أسواق اقتصادات "متخمة بالمال" في آسيا وأمريكا الجنوبية.

وإلى جانب مشكلة تكوين فقاعات أصول خطرة وغير مستدامة، يُخشى أيضاً من أن هذا الفائض من السيولة قد يتبخر فجأة عندما تبدأ معدلات الفائدة التي يحددها الاحتياطي الفيدرالي بالارتفاع. وفي مثل هذا الحالة فإن بعض البلدان مثل الهند قد تواجه تحديات رئيسية؛ لأن قيم العجز المرتفعة في حساباتها الجارية قد تم تمويل معظمها من تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأمد. إضافة إلى ذلك، فإن سياسات التسهيل المالي للبلدان المتقدمة تعطي قوة "غير مقصودة" لعملات أسواق الاقتصادات الناشئة التي تتحرك بفعل التصدير مما سيؤدي إلى خفض هوامش الربح.

وبالتوازي مع هذه التوقعات الخطيرة، بدأت كل من الصين والبرازيل وكوريا الجنوبية تطبيق إجراءات محددة للتحكم برؤوس الأموال. فالصين زادت من نسب متطلبات الاحتياطي لمصارفها من أجل تصفية "الأموال الساخنة" التي تتدفق إلى أسواقها، بينما كشفت البرازيل عن خطط لفرض ضرائب على تدفقات رؤوس الأموال المتوجهة لاستثمارات الدخل الثابت وأسهم البورصة. وبنفس الشكل أعلنت كوريا الجنوبية عن إجراءات لضبط التجارة المتعلقة بالعملات من قبل المصارف، وأعادت فرض 14 بالمائة من الضريبة المحتسبة على سندات الحكومة.

ولكن يُخشى من أن تؤدي إجراءات ضبط تدفقات رؤوس الأموال ذاتها إلى حدوث أزمة غير مقصودة. على سبيل المثال، فإن الحكومة الصينية تخطو خطوات حذرة عبر التدقيق بمعدل التضخم ومحاولة وقف تراكم فقاعة الأصول والحفاظ على استدامة معدلات النمو الاقتصادي عند حدود معقولة، ولكن هذا العمل الدقيق يتم بهامش صغير جداً للخطأ.

وقد ذهب المصرف الملكي الاسكتلندي (رويال بنك أوف اسكتلندا) إلى حد تحذير عملائه من المخاطر السيادية التي قد تنجم عن تخلف الصين عن الدفع (sovereign default)، وحدد هذا التحذير كأحد أهم نصائح المتاجرة للعام المقبل (2011). كما نقلت صحيفة الجارديان مؤخراً عن ديانا شويليفا من لومبارد ستريت ريسيرش Lombard Street Research قولها: إن المعروض النقدي في الصين ارتفع إلى 40 بالمائة في 2009 وخلال النصف الأول من 2010؛ لأن بكين أبقت على ضغوطها على فقاعة الديون من أجل المحافظة على معدلات النمو. ويقول العديد من الخبراء أن هذه السياسة قد تضع الاقتصاد الصيني في فترة كساد تضخمي؛ حيث يؤدي توليد الديون وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى حلقات من المضاربة وتغير الأسعار التي ستبطئ من معدلات النمو.

ويجادل بعض خبراء الاقتصاد بأنه في حالة حدوث انكماش في اقتصاد الصين فإن احتياطاتها المالية المقدرة بحوالي 2.6 تريليون دولار لن تكون كافية للخروج من هذه الأزمة، فيما يقول البروفسور، مايكل بتيس، من جامعة بكين بأن هذه الأموال لا يمكن أن تستخدم داخلياً لإنعاش الاقتصاد؛ لأنها توفر للصين الحماية من المشكلات التي قد تظهر على الجبهة الخارجية.

وبشكل مماثل، فإن النمو المثير للإعجاب في الهند قد زاد من تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى هذا البلد، الذي يجادل بعض خبراء الاقتصاد أنه يشهد بعض التطورات المزعجة.  وقد أبدى جوزيف ستيجليتز، خبير الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل، خشيته من أن الهند لا تملك خططاً لإجراءات ضبط رؤوس الأموال؛ لأن أموال المضاربة تضع مزيداً من الضغوط على الاقتصاد وتأجج ضغوط التضخم في بعض قطاعات السوق مثل العقارات. وقد سبقت تحذيرات ستيجليتز تحذيرات أخرى أطلقها مونتك سينغ، نائب رئيس مجلس إدارة مفوضية التخطيط في الهند، بخصوص قدرة الهند على التعامل مع تدفقات رؤوس الأموال التي تتراوح بين 55 و57 مليار دولار العام 2010، دون ارتفاع سعر صرف الروبية الهندية.

لقد حذر خبير التحليل الاقتصادي المعروف، مارك فيبر، في تقريره الصادر في شهر نوفمبر الماضي من أن برنامج التسهيل الكمي للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد يسبب "ازدهاراً يؤدي إلى الانهيار" في أسواق الاقتصادات الناشئة خلال 6 إلى 12 شهر، لينتهي بتدهور اقتصادي كبير. ويقول، ألبرت إدواردز، أحد خبراء الاقتصاد في مصرف سوسيتيه جنرال إنه وفق المؤشرات الأساسية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) فإن حدوث انكماش في النشاط التجاري في الأسواق الاقتصادية الخمسة الكبرى في آسيا (اليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند وإندونيسيا) هو أمر حتمي. ويضيف: "إنني مقتنع بأننا نشهد فقاعة أسطورية ستنفجر– وستفاجئ المستثمرين على حين غرة كما حصل في الفقاعة الآسيوية في أواسط تسعينيات القرن الماضي.. يمكنكم تجاهل هذه المؤشرات وتعريض أنفسكم للخطر بمشيئتكم".

ولكن في المدى الطويل، فإن معظم خبراء الاقتصاد أكثر تفاؤلاً حول مستقبل أسواق الاقتصادات الناشئة من مستقبل الاقتصادات  المتقدمة. ورغم بعض العثرات التي قد تظهر على المديين القصير والمتوسط، فإنه يعتقد بأن الأسواق الاقتصادية الجديدة ستسيطر على الاقتصاد العالمي، وذلك بفضل توجه قاعدة التصنيع والإنتاج العالمية نحو هذه البلدان لتأمين العمالة والأسواق الاستهلاكية.

Share