تداعيات تفشي فيروس «كورونا» على الاقتصاد العالمي

  • 29 مارس 2020

المتتبع لواقع الاقتصاد العالمي في «عصر كورونا»، يلحظ مدى هشاشة ما كان يُعدّ متيناً من قطاعات اقتصادية أمام هذا «العدو الخفي» الذي ضرب بأسواطه أنشطة اقتصادية عدّة، كان يُنظر إليها حتى نهاية العام الجاري باعتبارها الأمتن والأكثر قدرة على المواجهة، وعلى رأسها قطاعات النفط والأسهم والنقل والسياحة وغيرها.

اليابان لم تنتظر كثيراً بعد تفشي فيروس كورونا المستجد «كوفيد – 19»، فقد أعلنت في 20 فبراير الماضي أن اقتصادها دخل رسمياً حالة انكماش، بنسبة 6.3% على أساس سنوي في أكتوبر إلى ديسمبر 2019، في أسرع وتيرة تقلص منذ الربع الثاني من عام 2014، الأمر الذي يشير إلى ما سيخلفه «كورونا» على اقتصادها بعد أن يمضي الربع الثاني من هذا العام.
«العالم متجه نحو أزمة أكثر شدّة»، هذه التوقعات تطغى الآن على تقارير وتحذيرات مؤسسات دولية متخصصة باستشراف آفاق الاقتصاد العالمي، حيث أشارت تقديرات لوكالة «ستاندرد آند بورز جلوبال» للتصنيفات الائتمانية، إلى أن القطاع المصرفي بالصين معرّض قبل إبريل 2020 إلى زيادة في القروض المتعثرة بما يصل إلى 1.10 تريليون دولار. كما أن تفشي الفيروس سيتسبب بتعطل الإنتاج، وسيضع الشركات أمام أزمة عجز عن سداد الديون، وخاصة بعد أن أضر «كورونا» بسلاسل الإمداد العالمية وسبب تعطيلاً واسعاً لأنشطة المصانع التجارية في الصين. وبعد أن كانت التوقعات تتنبأ بنمو ثابت على الأقل خلال العام الجاري، فإن «كورونا» الذي لم يكن ظهوره بالحسبان، أوقف تلك التوقعات وأخذها إلى مسارات أكثر قتامة وتشاؤماً، فمثلاً، خفضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مؤخراً توقعاتها لنمو عام 2020 إلى النصف، حيث انخفضت إلى 1.5% بعد أن كانت سابقاً 2.9%. وقالت مجلة “Foreign Affairs” هي الأخرى، إن الاقتصاد العالمي دخل في حالة ركود شديد، وإن الانكماش سيكون مفاجئاً وحاداً، وإن آثار تفشي الفيروس ستستمر لعقود قادمة.
قطاع النفط الذي تهاوى بفعل «كورونا» وبفعل معركة سعرية بين كبار المنتجين، خسر ثلاث سنوات من تضامن الدول المنتجة بعد أن رفضت روسيا اقتراح «أوبك» بإجراء تخفيض أكبر على الإنتاج لمواجهة تراجع الطلب؛ فتبعتها إجراءات لا يمكن وصفها إلا بالدرامية، كإعلان «أرامكو» نيتها زيادة إنتاجها إلى مستوى قياسي يبلغ 12.3 مليون برميل يومياً، في الشهرين المقبلين، وسحب 300 ألف برميل يومياً من مخزونها الضخم، للوصول إلى ذلك المعروض القياسي، إضافة إلى أنها تعكف على تقييم زيادة قدرتها الإنتاجية إلى 13 مليون برميل يومياً، الأمر الذي تسبب، بجانب انتشار الوباء وتراجع الطلب العالمي، في تهاوي أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في 18 عاماً، حيث وصل «برنت» إلى نحو 25 دولاراً للبرميل، وخام القياس الأمريكي غرب تكساس الوسيط عند التسوية 20 دولاراً للبرميل تقريباً.
أما قطاع النقل الذي ضربه «كورونا»، فهو يعاني خسارات كبرى، فمع تعليق مجموعات عدة من شركات الطيران رحلاتها، توقع اتحاد النقل الجوي الدولي (أياتا) حديثاً أن يخسر قطاع الطيران في العالم نحو 252 مليار دولار من عائداته هذا العام، أي ما يعادل ضعف توقعاته السابقة في هذا الإطار، التي بلغت 113 مليار دولار. فمثلاً، أعلنت مجموعة الطيران الفرنسية الهولندية (إيرفرانس-كي إل إم)، أنه «بافتراض الاستئناف التدريجي للعمليات (الكاملة) اعتباراً من إبريل، فإن الخسارة الناجمة عن الوباء على العائدات التشغيلية تُقدَّر بما يتراوح بين 150 و200 مليون يورو بين فبراير وإبريل». ومنذ مطلع العام أجبر تفشي الفيروس شركات طيران كبرى، منها: بريتش إيرويز، وأمريكان إيرلاينز، وإير كندا، وإيرفرانس-كي إل إم، ولوفتهانزا، ويونايتد، وكوانتاس، ودلتا، وشركات طيران أخرى على تعليق آلاف الرحلات.
منظمة السياحة العالمية، أشارت هي الأخرى في تقديرات حديثة إلى أن قطاع السياحة العالمي سيخسر ما بين 30 و50 مليار دولار. وتوقعت المنظمة أن المنطقة الأكثر تضرراً على صعيد القطاع السياحي، ستكون آسيا، حيث انخفض عدد السائحين فيها بنسبة تقترب من 12%، وخاصة بعد أن حظرت الصين، المصدر الأكبر للسياح في العالم، تسويق السفر وألغت منذ نهاية يناير الماضي جميع برامج السفر المُجدولة سلفاً. إن خطورة تراجع مساهمة السياحة في الناتج العالمي تكمن في أن هذا القطاع مرتبط بقطاعات وأنشطة اقتصادية عدّة، أهمها: النقل الجوي والبحري، ووكالات السفر، والفنادق والمطاعم والمراكز الترفيهية والمحلات التجارية، وغيرها من الأنشطة ذات العلاقة.
ومنذ تفشي «كورونا» بدأت الأسواق في معظم دول العالم التراجع بشكل هستيري، وحين قرر الرئيس الأمريكي منع دخول المسافرين القادمين من أوروبا إلى الولايات المتحدة، حدثت الصدمة في البورصات الأوروبية، فمثلاً في باريس تراجعت البورصة أكثر من 5%، وشهدت انهياراً تاريخياً في أدائها. أما بورصة لندن فقد خسرت 4% من أدائها، حيث أنهى مؤشر «فوتسي»، أحد أكبر مؤشرات أسهم بريطانيا، ويضم أسهماً لأكبر 100 شركة في بورصة لندن، تعاملاته بانخفاض يقترب من 10%، وهو الانخفاض الأسوأ له منذ أكثر من 30 عاماً. وهوت الأسهم الأمريكية يوم الأربعاء 18 مارس 2020 بشكل حاد، ففي موجة من الهبوط فقدت المؤشرات مئات النقاط، فتراجع «داو جونز الصناعي» 6.3% وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز» بنسبة 5.18%، وتراجع «ناسداك» بنسبة 4.7%، وإن عاودت الأسهم الارتفاع لاحقاً بشكل طفيف.
إن تداعيات انتشار «كورونا» آخذة في التفاقم، واقتصادات دول كبرى ستتعرض لمخاطر وأضرار لم يتم حسم حجمها حتى الآن، فالولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان والمملكة المتحدة والصين، تقف الآن في مهب ريح الخسائر، وبناء عليه تشير توقعات خبراء ومحللين إلى أن العالم سيدخل في غيبوبة اقتصادية حتمية، وأن استمرار الأزمة سيزيد التضخم ويقلل النمو، وسيُضعف القدرة على الصمود، وخاصة لدى الدول التي ليس لديها أنظمة رعاية صحية متقدمة. أما الدول التي تمتلك أنظمة أكثر تطوراً، فإنها ستكون مشغولة في محاولة احتواء الوباء، ما سيتسبب بتدهور النمو العالمي، الذي يعني دخوله حالة ركود، أشارت إليه مؤسسات كبرى؛ مثل: مؤسسة غولدمان ساكس، وستاندرد آند بورز، ومورغان ستانلي، التي تراوحت توقعاتها بشأن النمو العالمي بين 0.4% و1.5%، فيما أشار معهد التمويل الدولي إلى أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة ركود فعلي في الربع الأول من العام الجاري.
هذه الطروحات ما زالت غيضاً من فيض، فقول مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغيفا، في وقت سابق إن فيروس كورونا «هو أكبر مصدر للغموض بالنسبة لنا.. وهو عامل تذكير كبير بأن الانتعاش الهش تهدده أحداث غير متوقعة»، ينبئ بضرورة أن تقوم الدول، في هذه الأثناء، بصياغة خطط واستراتيجيات بديلة، وأكثر واقعية، تحول دون الخسارات التي نالت من قطاعاتها التي كانت تسهم في رفد اقتصاداتها بشكل رئيسي. وعلى سبيل المثال، فإن الدول التي تعتمد على مصادر الطاقة التقليدية، وأبرزها النفط، في ناتجها المحلي الإجمالي، باتت الآن أمام اختبار صعب للخروج فيه من الاعتماد مطلقاً أو غالباً على إسهاماته في موازنتها العامة، وأن الخروج من إطلاق شعارات التنويع أصبح ضرورياً الآن لكي يتم تنفيذه، سواء كان ذلك بتعزيز قوة القطاعات الأخرى، أو جعل النفط أداة للعمل عليه ضمن أنشطة أخرى، كالصناعات الهيدروكربونية، أو النظر إليه كوسيلة لإمداد وسائل النقل بالوقود، من دون التعويل على أن يكون رافداً مهماً في موازناتها.
الأمر الآخر هو أن يتم النظر إلى القطاعات الإنتاجية والخدمية على أنها قد تتعرض مستقبلاً لهزات أخرى، قد تنجم عن فيروسات جديدة، أو حصول أزمات أو كوارث طبيعية أو إنسانية، وخاصة بعد أن تبين أن «كورونا» يؤثر سلبياً من خلال تدنّي الإنتاج وتقلص الطلب وتأثر سلاسل التوريد، الأمر الذي يُحتِّم على الدول إنشاء صناديق ادّخارية يتم استعمالها لتعزيز متانة القطاعات المتضررة، والتفكير بآليات محددة تضع المشروعات الصغيرة والمتوسطة على رأس الأولويات والقطاعات التي يجب عدم التهاون في دعمها.

Share