تحدٍّ إسرائيلي لإرادة المجتمع الدولي

  • 27 ديسمبر 2016

أشاع قرار مجلس الأمن الدولي الأخير الذي صدر يوم الجمعة الماضي، أجواء من التفاؤل العربي والدولي، ليس فقط لأنه طالب إسرائيل بإنهاء الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإنما أيضاً لأنه أكد وجود حالة من التوافق الدولي على خطورة الاستيطان على عملية السلام، حيث صدر هذا القرار الذي حمل رقم (2234) بأغلبية ساحقة، وأيدته 14 دولة، بينما لم تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض (الفيتو) لأول مرة منذ سنوات، وامتنعت فقط عن التصويت، برغم محاولة حكومة نتنياهو إقناع إدارة أوباما بعرقلة صدور هذا القرار، الأمر الذي يؤكد أن هناك إدراكاً دولياً لخطورة السياسات الاستيطانية الإسرائيلية على مستقبل عملية السلام، وكيف أنها تدمر أي جهود حقيقية من أجل استئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ لأن الاستيطان يستهدف فرض أمر واقع على الأرض من خلال السيطرة التدريجية عليها، وتغيير الحقائق الجغرافية والديموغرافية فيها.

ولا شك في أن قرار مجلس الأمن الدولي الأخير ينطوي على أهمية بالغة، لأنه يشكل إدانة حقيقية لسياسات الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية منذ الرابع من يونيو عام 1967، ولا يعترف بأي تغييرات طرأت نتيجة هذه المستوطنات، حيث دان القرار جميع التدابير الرامية إلى تغيير التكوين الديموغرافي ووضع الأرض الفلسطينية المحتلة والتي تشمل إلى جانب تدابير أخرى المستوطنات وتوسيعها، ونقل المستوطنين الإسرائيليين ومصادرة الأراضي وهدم المنازل وتشريد المدنيين، في انتهاك للقانون الدولي والقرارات ذات الصلة بذلك. كما يؤكد هذا القرار عدم شرعية المستوطنات، ويعتبرها في الوقت ذاته انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وعقبة رئيسية أمام حل الدولتين وعملية السلام الشامل بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ولهذا كان من الطبيعي أن تشعر إسرائيل بالصدمة من صدور هذا القرار، بعد أن فشلت في عدم تمريره من مجلس الأمن، إذ رفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هذا القرار، وقال: «إن إسرائيل لن تمتثل له، وستستمر في القيام بما يلزم لخدمة مصالحها». ووصف نتنياهو القرار بأنه «خسيس وسخيف» ومعاد لإسرائيل، وتعهد بإلغائه كما ألغى من قبل قرار اعتبار «الصهيونية عنصرية»، وأوضح أنه تحدث مع أعضاء في الكونجرس ومع زعماء يهود في الولايات المتحدة، وتلقى وعوداً منهم بالعمل على إلغاء القرار وتغييره. ولم تكتف إسرائيل بإدانة هذا القرار ورفضه، وعدم الالتزام به، بل أعلنت تحديها صراحة لإرادة المجتمع الدولي من خلال التصديق على بناء خمسة آلاف و600 وحدة استيطانية جديدة في القدس المحتلة، وكأنها تريد أن تبعث برسالة إلى المجتمع الدولي، مفادها أنها غير معنية بقرارات مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، وأنها دولة فوق القانون الدولي. منذ أن جاءت حكومة نتنياهو إلى السلطة، وهي تتحرك في الاتجاه المعاكس لعملية السلام، وأقدمت على الكثير من التصرفات والمواقف التي تعكس رؤيتها المشوهة للسلام وشروطه، إلا أن توجهاتها فيما يتعلق بالاستيطان هي الأخطر، ليس لأن الاستمرار في بناء المستوطنات يستهدف فرض أمر واقع على الفلسطينيين كما سبقت الإشارة، وإنما أيضاً لأنه يمثل العقبة الرئيسية أمام إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وربما يفسر هذا إصرار حكومة نتنياهو على المضي قدماً في مشاريعها الاستيطانية، متحدية إرادة المجتمع الدولي التي تطالبها بإنهاء الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

إن حالة التوافق الدولي التي بدت ظاهرة في قرار مجلس الأمن الدولي الأخير يمكن البناء عليها واستثمارها ليس فقط في إثناء إسرائيل عن مواصلة مخططاتها الاستيطانية الأخيرة، وإنما أيضاً في ممارسة ضغوط حقيقية عليها كي تتجاوب مع أي جهود لاستئناف مفاوضات السلام مع الفلسطينيين، استناداً إلى الأسس والمرجعيات الثابتة التي أقرّتها الشرعية الدولية، وبما يحفظ حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات