تحدٍّ‮ ‬تاريخي‮ ‬في‮ ‬العـراق

  • 24 أكتوبر 2011

في الوقت الذي يمثل إعلان الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، مؤخراً، انسحاب القوات الأمريكية المتبقّية في الأراضي العراقية في نهاية العام الجاري حدثاً تاريخياً مهماً، فإنه ينطوي على تحدٍّ تاريخي واختبار مفصلي في التاريخ العراقي الحديث، لأنه يضع العراقيين وقواهم السياسيّة المختلفة أمام مسؤولياتهم التي ينبغي لهم التعامل معها اعتماداً على أنفسهم وبقدراتهم الذاتيّة، سواء في مجالات السياسة أو الأمن أو الاقتصاد أو العلاقات الخارجيّة، وهي مسؤوليات ليست بالهيّنة أو البسيطة، وإنما تنطوي على درجة كبيرة من التعقيد والتشابك، ويتوقف على منهج التعامل معها الكثير مما يتعلّق بحاضر الوطن ومستقبله ووحدته كدولة متعددة المذاهب والأعراق.

لا شكّ في أن الأمن سيمثل الاختبار الأهم والأساسي أمام العراقيين بعد اكتمال الانسحاب العسكري الأمريكي، حيث سيتوقّف كل شيء في العراق الجديد على الحالة الأمنية، خاصة أن هناك قوى متطرفة تتحيّن فرصة هذا الانسحاب لتصعيد نشاطاتها وتوسيعها خلال الفترة المقبلة، ومن ثمّ فإن نجاح الحكومة العراقية في ضمان الأمن والاستقرار يمثل مفتاحاً لدخول عصر التنمية والاستقرار والبناء الحقيقيّ للدولة العراقية وإعادة إعمارها. طبيعة العلاقة بين القوى السياسية المختلفة هي التحدّي الأبرز الثاني الذي يواجه العراق بعد الانسحاب الأمريكي، خاصة في ظلّ تفاقم الخلافات بين هذه القوى، وعدم قدرتها على الاتفاق أو التوافق، ولا شك في أن استمرار هذه الخلافات من دون حلّ خلال الفترة المقبلة سيمثل عائقاً أساسياً أمام بناء رؤية وطنية واحدة للتعامل مع تحديات المرحلة الجديدة ومسؤولياتها، ولذلك فإنه من المأمول أن تتمّ إدارتها بمنطق مختلف عن ذلك الذي ساد خلال السنوات الماضية، وأن يدرك الجميع أنهم أمام اختبار تاريخي يؤدّي تجاوزه بنجاح إلى نقل العراق نقلة نوعية إلى الأمام على المستويات كافة، في حين يؤدّي التعثر فيه إلى انتكاسة سيظل العراقيون يدفعون ثمنها لفترة طويلة. التنمية والبناء الاقتصادي وإعادة الإعمار، هي التحدّي الثالث على الساحة العراقية خلال الفترة المقبلة، لأن الإمكانات الهائلة التي يحظى بها العراق، سواء على المستوى البشري أو المادي، تمثل أساساً لنهضة تنموية، لكن الأمر يحتاج إلى توافق حول استثمار الثروات الوطنيّة، وفي مقدمتها النفط، إضافة إلى الاستقرار السياسي والأمني، لأنه من دون هذا الاستقرار لا يمكن الحديث عن التنمية مهما كان حجم الثروات والإمكانات. الحفاظ على سيادة العراق ووحدته، وتحصينه في مواجهة أيّ تدخلات خارجية تريد أن تأخذه في هذا المسار أو ذاك لتحقيق أهداف خاصة، هما التحدّي الرابع أمام العراقيين بمختلف تياراتهم وطوائفهم، ولا شك في أن وحدة الصف العراقي، والتوافق الوطني بين القوى العراقية المختلفة، هما السبيل للتعامل مع هذا التحدّي بفاعلية وإيجابية، لأن خلافات الداخل هي الثغرات التي يتم استغلالها للنفاذ إليه، والتدخل في شؤونه، والتأثير السلبيّ فيه.

Share