تحدٍّ‮ ‬اقتصادي‮ ‬عالميّ‮ ‬صعب

  • 9 يناير 2011

الإحصاءات الصادرة عن "منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة" (الفاو) وغيرها من التقارير الصادرة عن جهات دولية عديدة في الآونة الأخيرة تشير بوضوح إلى أن العديد من دول العالم قد تواجه خلال العام الحالي تحدّياً خطِراً، ألا وهو ارتفاع أسعار المواد الغذائية، بصورة تعيد إلى الأذهان أزمة عام 2008، فـ "الفاو" حذّرت في أحدث تقاريرها من أن العالم مقبل على موجة ارتفاع كبيرة في الأسعار بعد أن تجاوز آخر مؤشر للأسعار، في شهر ديسمبر الماضي، المستوى المرتفع الذي سجّله في عام 2008، في الوقت ذاته فإن توقعات مستويات الأسعار في أكثر من دولة تعكس هذه المخاوف، ففي الولايات المتحدة من المتوقع أن ترتفع أسعار المواد الغذائية حتى 3% في النصف الأول من العام الجاري، وفي بعض الدول الآسيوية قد ترتفع الأسعار نحو 16%، أما في أوروبا فإن التقديرات تشير إلى أن الأسعار قد ترتفع ما بين 5% و10% في الأشهر المقبلة، وهذا يشير بوضوح إلى أن موجة الأسعار المرتفعة هذه المرة لا تقف عند مجموعة من الدول بعينها، وإنما أصبحت تطول الاقتصادات المتقدّمة والناشئة أيضاً. 

إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بهذه الصورة المتصاعدة يشكّل تحدّياً عالمياً كبيراً، لأكثر من عامل: الأول، أن موجة الأسعار الحالية تقترن باستمرار بتأثيرات "الأزمة المالية العالمية" في كثير من دول العالم، خاصة النامية، والمتمثّلة في الأساس في تزايد معدلات الفقر والبطالة، وهو الأمر الذي يشير إلى أنها قد تترك تأثيرات أضخم إذا لم يتم التعاطي معها بشكل واقعيّ، واتخاذ الإجراءات التي تحول دون تفاقمها مستقبلاً. أما العامل الثاني، فهو أن موجة الأسعار الحالية ربما تقود إلى اضطرابات اجتماعية وأمنية وسياسية، خاصة أن موجة الاحتجاجات التي تصاحبها قد تتحوّل إلى اضطرابات، كما حدث في العديد من المناطق في الأسابيع القليلة الماضية. إن هذه المخاوف هي التي دفعت روبرت زوليك، رئيس "البنك الدولي"، مؤخراً، إلى حثّ الحكومات على تفادي اتخاذ إجراءات "حمائية" مع ارتفاع أسعار الأغذية، ودعوته "مجموعة العشرين" إلى اتخاذ خطوات للتأكد من حصول الفقراء على إمدادات كافية من الغذاء.

العامل الثالث، أن موجة الأسعار الحالية تأخذ منحنى تصاعدياً منذ ما يقرب من ثلاثة أشهر، ما يشير إلى أنها قد تكون مقدّمة لأزمة كبيرة ربما تفوق أزمة عام 2008، خاصة أن ثمّة عوامل تدفع في اتجاه تفاقمها، كالمضاربات على المواد الغذائية، وتراجع الإنتاج الزراعي ونقص الاحتياطات الغذائية بسبب سوء الأحوال الجوية في الدول المنتجة للحبوب، واتجاه بعض هذه الدول إلى فرض حظر على الصادرات، وهو الأمر الذي ينذر ليس بارتفاع أسعار السلع الأساسية فحسب، وإنما بارتفاع فاتورة الواردات الغذائية العالمية في العام الجاري أيضاً، وهو ما قد يترتّب عليه زيادة معاناة الفئات الفقيرة في الدول التي تعتمد بصفة رئيسية على الواردات في تأمين احتياجاتها الغذائية.

إن التداعيات التي قد تترتّب على موجة ارتفاع الأسعار الحالية لكثير من المواد الغذائية تتطلّب التحرك الفاعل من أجل وضع رؤية عالمية متّسقة لمعالجتها، تراعي مصالح جميع الدول وظروفها، خاصة الدول النامية، التي تعتبر أكثر الأطراف تأثراً بها، خاصة أن حالة الانفتاح الحادثة على الساحة الدولية جعلت من الصعب على طرف أو دولة ما أن تعيش بمعزل عمّا يحدث في محيطها الإقليمي أو الدولي.

Share