تحدّي الإرهاب في العراق

  • 6 أبريل 2010

 الهجمات الإرهابيّة التي تعرّض لها العراق مؤخراً، واستهدفت أماكن وجود سفارات عربية وأجنبية، موقعةً عشرات القتلى والجرحى، تؤكّد أن خطر الإرهاب ما زال حاضراً على الساحة العراقية، برغم التدابير والخطط والاستراتيجيات كلّها التي وضعت لمواجهته، والنجاحات التي تحقّقت في ذلك خلال السنوات الماضية، وأن قوى التطرّف والعنف تنتظر دائماً الفرصة للخروج من جحورها، وإشاعة أجواء الدّمار والدّم والاضطراب. ولا شكّ في أن وقوع التفجيرات الإرهابيّة بالقرب من سفارات أجنبية ينطوي على رسالة تخويف وتحذير أرادت الجماعات التي تقف وراءها إرسالها إلى دول العالم المختلفة، لدفعها إلى عدم فتح سفارات لها في العراق، ومحاولة الإيحاء بأنه بلد غير مستقرّ، ويعيش ظروفاً أمنية غير طبيعيّة.

منذ بدء العملية الانتخابية في شهر مارس الماضي، كان تصعيد التيارات المتطرّفة أعمال العنف أمراً متوقّعاً، سواء لمنع الناخبين العراقيين من الذهاب إلى صناديق الاقتراع، أو لإجهاض تجربة الانتخاب، ومنع الاستفادة منها في الانتقال بالعراق إلى مرحلة أخرى من الاستقرار والتضامن الوطنيّ، ولهذا كانت الدعوات التي صدرت من أكثر من جهة، وعلى أكثر من مستوى، خلال الفترة الماضية، تؤكّد ضرورة أن تعمل القوى السياسية العراقية المختلفة على بناء جبهة وطنيّة قويّة تقف في وجه جماعات العنف، ولا تترك لها فرصة لتنفيذ مخطّطاتها، أو إفساد الأمور، وإعادة كلّ شيء مرة أخرى إلى الوراء. ولا شكّ في أن الهجمات الأخيرة، بما انطوت عليه من دلالات خطرة، تمثّل دافعاً قوياً لألوان الطيف السياسي العراقي كلّها إلى تجاوز الخلافات والتباينات في وجهات النظر، من أجل أن ترى الحكومة الجديدة النّور على قاعدة المشاركة الوطنيّة، واحترام القانون وإرادة الناخبين. إن الدرس الذي تكرّس على الساحة العراقية خلال السنوات الماضية، وعزّزته تفجيرات يوم الأحد الماضي، هو أن عمليات الإرهاب تنمو وتتصاعد في ظروف الصّراعات السياسيّة الداخليّة، وأنه كلّما خطا العراقيون خطوة إلى الأمام في تحقيق التوافق والمصالحة وتجاوز الاحتقانات الطائفية والعرقية والدينية، فقدت جماعات الإرهاب مزيداً من مساحة الحركة، وتعرّضت لمزيد من الحصار والتراجع. هذا الدرس يجب أن تعيه القوى السياسية العراقية الفائزة في الانتخابات النيابيّة الأخيرة جيداً، ومن ثمّ تعمل بجدّ وإخلاص من أجل طي صفحة الطائفيّة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية قوية وفاعلة، وتفادي تعرّض البلاد لأزمة سياسيّة، أو مواجهة حالة فراغ سياسي. إن القوى السياسيّة العراقيّة بمختلف تياراتها وتوجّهاتها تواجه اختباراً كبيراً في ظل ما تتعرّض له البلاد من هجمة إرهابية تهدف إلى إضافة المزيد من التعقيد إلى المشهد السياسي، والصعوبات أمام تشكيل الحكومة الجديدة، كما أنها تتحمّل مسؤولية تاريخية أمام الشعب، الذي عبّر من خلال مشاركته الكبيرة في عمليات التصويت وخياراته فيها، عن رغبة مؤكّدة في تجاوز مرحلة العنف، وبناء دولة التعايش والمواطنة، وما من شكّ في أن تعامل هذه القوى مع الموقفين السياسي والأمني في مرحلة ما بعد الانتخابات، سوف يتوقّف عليه مستقبل العراق كلّه في هذه اللحظة الفارقة التي يعيشها.

Share