تحدّي‮ "‬القاعدة‮" ‬في‮ ‬العراق

  • 20 نوفمبر 2011

تكشف التصريحات الأخيرة لمسؤول أمني “رفيع المستوى” في وزارة الداخلية العراقية، التي جاءت في ظل موجة من أعمال العنف التي أوقعت قتلى وجرحى في مناطق مختلفة من البلاد، عن خطورة التحدّي الأمني الذي ما زال يمثّله تنظيم “القاعدة”، والذي يتوقع أن يتصاعد خلال الفترة المقبلة بعد اكتمال انسحاب القوات الأمريكية في نهاية العام الجاري 2011، حيث أشار المسؤول الأمني إلى أن “القاعدة” أعادت انتشارها في المحافظات التي انسحبت القوات الأمريكية منها، وأن العناصر الإرهابية التابعة لها تظهر وتختفي وتقوم بعمليات إرهابية ثم تتراجع.

لا شكّ في أن تنظيم “القاعدة” قد تلقّى ضربات قوية في العراق أفقدته جانباً كبيراً من قوته التي كان عليها خلال السنوات التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، لكنه ما زال باقياً ولم يتم القضاء على خطره تماماً، حيث ينتظر الفرصة المناسبة للظهور وممارسة نشاطه، وتشير الدلائل إلى أنه يرى هذه الفرصة في انسحاب القوات الأمريكية من أجل التقاط الأنفاس والعودة مرة أخرى إلى نشاطه في إثارة الاضطراب والفوضى وإشعال البلاد بالعمليات الإرهابية والتوترات الطائفية، وهذا ما يتّضح من التصاعد في التفجيرات الدموية منذ إعلان اكتمال الانسحاب الأمريكي نهاية العام الجاري، حيث تسعى “القاعدة” إلى إظهار الحكومة العراقية بمظهر العاجزة عن حفظ الأمن والنظام ومن ثم ضرب ثقة العراقيين بها وإثارة مشاعر القلق والخوف بينهم.

تشير التجارب المختلفة في المنطقة إلى أن تنظيم “القاعدة” يتبنّى الحرب الطويلة ويعتمد على تكتيكات الكرّ والفرّ ولديه قدرة كبيرة على الانتظار والصبر حتى تلوح الفرصة المناسبة التي يمكنه استغلالها، وهذا ما شهده العراق ويشهده منذ عام 2003، حيث مرّت نشاطات “القاعدة” خلال السنوات الماضية بموجات من المدّ والجزر والصعود والهبوط لكن دون أن تنتهي أو يزول خطرها، وهذا يفرض تحدّياً كبيراً أمام الأجهزة الأمنية العراقية المختلفة خلال الفترة المقبلة، حيث تقع على عاتقها وحدها، بعد الانسحاب الأمريكي، مسؤولية التصدّي للمخاطر الأمنية التي تتعرّض لها البلاد ومنع أي محاولة لإعادة الأمور إلى الوراء حينما كانت التفجيرات الإرهابية هي العنوان الأبرز للمشهد العراقي.

هناك تحدّيات عديدة أمام العراق خلال الفترة المقبلة، لكن أخطرها هو التحدّي الأمني، لأنه من دون توافر الأمن لن يكون بمقدور البلاد التحرّك إلى الأمام أو تحقيق التنمية التي يتطلّع إليها العراقيون، وإذا كانت الأجهزة الأمنية عليها مسؤولية كبيرة في هذا الشأن، فإن القوى السياسية المختلفة لها دورها الذي من المهم أن تقوم به، لأنه لا يمكن بناء استراتيجيات قوية ومحكمة ووطنية لمواجهة المخاطر التي تتعرّض لها البلاد على المستويات كافة بما فيها المستوى الأمني من دون بناء توافق وطني قوي يطوي صفحة الانقسامات السياسية الحادة التي تعيشها البلاد منذ فترة طويلة.

Share