تحدّيات المرحلة المقبلة في‮ ‬ليبيا

  • 23 أغسطس 2011

بعد مخاض صعب استمرّ شهوراً طويلة سقطت العاصمة الليبية طرابلس في أيدي المعارضة، وانهار نظام القذافي، ومن ثم دخلت ليبيا مرحلة جديدة من تاريخها مملوءة بالتحديات الصعبة والمعقّدة، لأنها مرحلة إعادة البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أسس جديدة، وخلال الفترة القليلة المقبلة سيتبلور حاضر ليبيا ومستقبلها من خلال الخيارات والرؤى والسياسات التي سوف تطرحها القوى الليبيّة المختلفة خلال هذه المرحلة، وهذا ما يجب أن يكون في إدراك هذه القوى والحاكم لتصرّفاتها وقراراتها.

إن أول التحديات وأخطرها خلال المرحلة الحاليّة هو الحفاظ على أمن البلاد واستقرارها، ومنع انزلاقها إلى حالة الاضطراب أو الفوضى، وحماية المؤسسات العامة والخاصة وممتلكات الدولة من أيّ عبث يمكن أن تتعرّض له من قبل بعض العناصر التي يضيرها ما تشهده ليبيا من تغيير، لأن أخطر ما يمكن أن يواجهه بلد من البلاد بعد تعرّضه لتجربة تحول سياسي كبير هو الانفلات الأمنيّ الذي يعوق البناء، ويمنع الانتقال السلس إلى المستقبل، ويشتت الجهد، ويحول دون الإحساس بأهميّة التحول الذي حدث والتغيير الكبير الذي تم، خصوصاً في ظل وجود "جيوب" تابعة لقوات القذافي لا تزال تنتشر في العاصمة طرابلس بحسب التقارير الإعلامية. ثاني التحديات هو أن تتمسّك القوى التي أحدثت هذا التغيير الكبير في ليبيا بوحدتها وتعاونها إلى أن يتم عبور المرحلة الانتقالية بسلام، حيث تحتاج البلاد خلال المرحلة المقبلة إلى رؤى متّسقة حول ملامح الانتقال وآلياته ومقتضياته المختلفة، وهذا لا يعني طمس الخلافات أو التباينات في وجهات النظر، أو النّظر إليها على أنها شرّ مطلق، وإنما يعني إدارة هذه الخلافات بحكمة وبحس وطنيّ عميق، بحيث تكون مصدراً لتنوع الرؤى والأفكار بما يثري المرحلة الانتقالية بالكثير من الأطروحات والتصورات المفيدة، وليست مصدراً للشقاق أو الصدام أو إفراغ ما جرى كلّه من مضمونه الحقيقي. خلال المرحلة الماضية كانت المواجهة مع النظام هي التي توحّد قوى المعارضة، وتخفي تبايناتها، وبعد سقوط النظام من الطبيعي أن تظهر هذه التباينات على السطح في إطار النقاش العام والمطلوب حول الحاضر والمستقبل، لكن من المهمّ أن يتم التعامل معها بوعي، وفي إطار الحرص على المصالح العامة والعليا للوطن. التحدّي الثالث هو تحدي البناء السياسي للبلاد، بما يقتضيه هذا البناء من وضع خطط ورؤى وسياسات محدّدة تستطيع أن تجمع الشعب الليبي حولها، ويكون في مقدورها كسب تأييده ومساندته، وهذه مهمّة ليست سهلة أو بسيطة، وإنما تحتاج إلى جهد كبير من القوى الليبية المختلفة وقدرة على التعاون والتوافق في ما بينها حول الحاضر والمستقبل.

لقد خطت ليبيا خطوة كبيرة إلى الأمام بعد إطاحة نظام القذافي، لكن التحدّي لم ينتهِ بعد، ويحتاج الانتقال إلى مرحلة جديدة إلى وعي القوى الليبية المختلفة، وتكاتفها، وإدراكها أن بناء ليبيا الجديدة مهمّة أصعب بكثير من إسقاط النظام.

Share