تحديات ما بعد الانسحاب من المدن العراقية

تحديات ما بعد الانسحاب من المدن العراقية

  • 7 يوليو 2009

أُعلن عن إتمام القوات الأمريكية انسحابها من المدن والبلدات العراقية في غرة يوليو/تموز 2009؛ وفقاً للاتفاقية الأمنية العراقية-الأمريكية الموقعة في ديسمبر/كانون الأول من العام الفائت، وخطة الانسحاب التدريجي التي أعلنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما في فبراير/شباط الماضي. وطبقاً للاتفاقية والخطة معاً، سيتلو هذه الخطوة خطوات أخرى، قد تمهد السبيل لاستعادة العراق سيادته كاملةً بانتهاء العام 2011، وهو الموعد المحدد لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق.

وقد تباينت المشاعر الشعبية واختلفت ردود الفعل الرسمية على الجانبين العراقي والأمريكي إزاء هذا التطور. فمن ناحية، أبان العراقيين عن مشاعرٍ مزدوجة بين احتفالٍ باستعادة جزء من السيادة المنقوصة، وخوفٍ من تدهور الوضع الأمني، وقلقٍ على مستقبل بلدهم الذي لا يزال قابعاً تحت الاحتلال. أما الحكومة العراقية، فقد احتفلت بالمناسبة، واعتبرتها عيداً وطنياً، واتخذت من الثلاثين من يونيو/حزيران عطلةً رسميةً، وأكدت جاهزية الجيش العراقي، البالغ قوامه 600 ألف جندي، لتسلم مهام القوات المنسحبة. ومن ناحية أخرى، أيّدت غالبية الأمريكيين انسحاب قوات بلادهم إلى خارج المدن والقصبات العراقية، وعدم عودتها إلى مواقعها السابقة حتى في حالة زيادة معدل العنف، والذي توقعوه على أية حال. ومع ذلك، يشعر بعض الأمريكيين، ويشاركهم بعض المسؤولين السياسيين والعسكريين، بالمرارة من الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، بهذه المناسبة، والذي نسب فيه الفضل في تحسن الوضع الأمني إلى قوات الأمن والجيش العراقية، وكأن الولايات المتحدة لم تقم بدور في ذلك. ولكن كان لافتاً للنظر ومثيراً للعجب عدم احتفاء الرئيس أوباما بهذه المناسبة، على عكس سلفه الذي لم يضيع أية مناسبة أو فرصة من دون الاحتفاء، بل الاحتفال بها، سياسياً وإعلامياً. فقد جاءت تعليقات أوباما في حفل لتكريم رجال الأعمال لدورهم الاجتماعي، مشيراً إلى أن العراقيين على حق في اعتبار هذه المناسبة يوماً وطنياً، ومحذراً من أيام صعبة قادمة. على النهج نفسه، حذر نائبه، جوزيف بايدن، لاحقاً من "طريق صعب من أجل إيصال العراق إلى سلام وأمن دائمين." وربما يفسر عدم احتفاء أو عدم اهتمام الرئيس أوباما بالمناسبة جزئياً إلى أن إدارته تضع الحرب في أفغانستان على قمة أولوياتها، بحيث غدت الأخيرة تحتل موقعاً متقدماً على أجندتها، وهو الموقع نفسه الذي كانت تحوزه العراق في ظل الإدارة السابقة. فيما أكّد القادة العسكريون في العراق، وعلى رأسهم الجنرال رايموند أوديرنو قائد القوات الأمريكية، على قدرة القوات العراقية على ضبط الأمن، واستمرار التعاون بين العراقيين والأمريكيين داخل المدن وخارجها، مشددين على أن القوات الأمريكية سوف تعود إلى المدن متى تطلب الأمر ذلك، وهو ما يُذكر بوضع القوات البريطانية في قاعدة قناة السويس بعد معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا.

يثير انسحاب قوات الاحتلال الأمريكي من المدن والقصبات العراقية تحديات سياسية وأمنية واستراتيجية جمة، يجدر بكلٍ من الحكومة العراقية والإدارة الأمريكية التعامل معها بفعالية؛ حتى يكون الانسحاب خطوة، بحقٍّ، نحو استعادة السيادة العراقية، "وترك العراق لأهله"، حسب تعبير الرئيس أوباما نفسه.

ولعل أول هذه التحديات هو الوضع الأمني، الذي لا يزال هشاً بكل المقاييس العسكرية والسياسية في أنحاء متفرقة في العراق، ولاسيما أن الانسحاب سبقه وأعقبه تفجيرات عدة راح ضحيتها مئات العراقيين، وكان شهر يونيو الأكثر عنفاً وضحايا من الجانبين العراقي والأمريكي خلال شهور. ويفسر المراقبون عدم احتفاء الرئيس أوباما بالانسحاب برغبته في عدم لفت الانتباه لزيادة العنف في العراق. وتتبنى جماعات وحركات مختلفة العنف آلية لتغيير الوضع السياسي في هذا البلد، بعضها يرفع لواء المقاومة الوطنية، وبعضها تحركه نوازع طائفية أو عرقية، وبعضها موصوم بالإرهاب، وبعضها يحمل أجندة خارجية وتحرضه دول أجنبية، تأتي إيران على رأسها، وفقاً للقادة السياسيين والعسكريين الأمريكيين. ولعل تعدد مصادر العنف وتنوعها في العراق يفرض تعدد وتنوع أساليب واستراتيجيات التعامل معها، والتي يمكن أن تتراوح بين الدمج في العملية السياسية، والمصالحة الوطنية، والمواجهة الأمنية، والانخراط في هجوم دبلوماسي على دول الجوار، وبخاصة سورية وإيران. ويتصل بذلك مسألة الاختراق الأمني؛ بمعنى اختراق قوات الأمن والجيش العراقية من جانب الجماعات والحركات المذكورة أعلاه، والتي من شأنها أن تُقلل من فعالية هذه القوات وكفاءتها في معالجة الملف الأمني، وقد يفضي إلى عودة الأوضاع إلى المربع الأول.

يتلخص التحدي السياسي في أنه في حالة اضطرار الحكومة العراقية إلى طلب مساعدة القوات الأمريكية، سوف تتأثر مصداقيتها سلباً. ويرى بعض المحللين أن رئيس الوزراء، نوري المالكي، تورط في استراتيجية خطرة، تحركها نوازع انتخابية، حينما اعتبر يوم الانسحاب يوماً للسيادة الوطنية، ولاسيما أن القوات الأمريكية لا تزال تحتفظ بأكثر من 130 ألف جندي في قواعد استراتيجية خارج المدن، ومئات وربما آلاف الجنود والمستشارين العسكريين داخلها، وتسيطر على حدود العراق، دون الحديث عن وجود أكثر من 130 ألف متعاقد عسكري داخل المدن، لم تشملهم الاتفاقية الأمنية-العراقية الأمريكية. بيد أن تحدي المصالحة الوطنية هو أكثر التحديات إلحاحاً أمام الحكومة العراقية في الوقت الراهن. وقد عبر الرئيس أوباما نفسه عن عدم رضاه عن جهود القادة العراقيين في هذا الخصوص. ولعل ذلك، بالإضافة إلى القلق على الوضع الأمني، ما دفع أوباما إلى تنصيب نائبه، جوزيف بايدن، مبعوثاً خاصاً "غير رسمي" إلى العراق، وتنفيذ الأخير زيارة إلى بغداد، في الأول من يوليو الجاري. فالعلاقات بين الشيعة والسنة لا تزال متوترة. والأمر ذاته ينسحب على العلاقات بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان الإقليمية، والتي وصلت ذروتها باتهام القادة الأكراد لرئيس الوزراء المالكي بالدكتاتورية، وبين العرب والأكراد في محافظات نينوى وديالى وكركوك، وما صاحبها من أعمال عنف. وخلال زيارته سالفة الذكر، حث بايدن العراقيين على بذل المزيد لتحقيق المصالحة السياسية، وعرض المساعدة لتحقيق ذلك (الأمر الذي رفضته الحكومة العراقية على لسان المتحدث باسمها علي الدباغ، برغم وجود تقارير تشير إلى قرب انعقاد مؤتمر مصالحة عراقية في واشنطن)، محذراً من أن الولايات المتحدة قد لا تفي بالتزاماتها إذا ما تجدد العنف الطائفي والإثني في العراق.

كما أن وضع قوات البيشمركة والأسايش الكردية في كركوك ونينوى وغيرهما من "المناطق المتنازع عليها" يمثل تحدياً آخر شديدا،ً على الحكومة العراقية والقوات الأمريكية التعامل معه. وتتمثل أبعاد هذا التحدي في العدد الكبير لهذه القوات الكردية، ومسألة دمجها في قوات الأمن والجيش العراقية، وانسحابها إلى خارج الخط الأزرق (خط عرض 36 شمالاً). فأولاً، تصر الحكومة العراقية على تقليص عدد البشمركة إلى أكثر من النصف، فيما ترفض حكومة كردستان ذلك. وثانياً، تريد الحكومة العراقية دمج كل وحدات البشمركة في الجيش العراقي، لكن الإدارة الكردية لم توافق إلا على دمج عدد محدود من هذه الوحدات. لكن التوتر الذي تشهده محافظتا نينوى وديالى بين العرب والأكراد يثير التساؤلات حول ولاء الوحدات الكردية المدمجة في الجيش العراقي. فخلال الأزمات، يؤكد قادة هذه الوحدات أن ولاءهم لحكومة كردستان وليس للحكومة المركزية. وثالثاً، تطالب الحكومة العراقية بانسحاب قوات البشمركة من مناطق عدة في المحافظتين المذكورتين إلى خارج الخط الأزرق، وهو الخط الذي يحدد حدود إقليم كردستان، فيما يرفض الأكراد ذلك؛ وهم لا يعترفون أصلاً بهذا الخط. وقد أثارت أزمة خانقين بمحافظة ديالى، في سبتمبر/أيلول 2008، والتوترات التي تشهدها محافظة نينوى منذ مايو/أيار الماضي، مدى التوتر بين قوات البشمركة وكل من الجيش العراقي والعرب. يُذكر أن الحكومة المركزية والعرب وغالبية التركمان يعارضون مرابطة هذه القوات في نينوى أو ديالى على أطرافهما، وتسعى حكومة بغداد إلى بسط سيطرتها على أرجاء المحافظتين ذات الأغلبية العربية، والتي يطالب الأكراد بضم خمس مناطق منها إلى إقليمهم.

وأخيراً، فإن التحدي الاستراتيجي يتعلق بمستقبل العراق. وهناك عدة قضايا أساسية في هذا الصدد، أهمها مفارقة الفصل السابع، ومسألة التعويضات، ومشكلة اللاجئين، وقضية التنمية. وتستغرب جماعة من المحللين حتى الآن استمرار إدراج العراق تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، واستمرار العقوبات عليه، وعدم قيام الولايات المتحدة بجهود جادة في هذا الخصوص، مع قدرتها على ذلك، وعلى الرغم من "تغير الظروف" التي أدت إلى فرض العقوبات في المقام الأول. يرتبط بذلك مسألة التعويضات التي فرضت على العراق بعد انتهاء حرب الخليج الثانية (1991)، والتي أثارت مؤخراً أزمة في العلاقات بين الكويت والعراق. يرى كثير من المعلقين أن الولايات المتحدة يمكنها تقديم المساعدة في هذه المسألة أيضاً، والقيام بالوساطة بين العراق والكويت بصفة رئيسية لتسوية هذه القضية بصورة نهائية. كما أنه يجدر بالحكومة العراقية المبادرة بأقصى سرعة إلى مساعدة اللاجئين العراقيين، والذين يزيد عددهم عن ثلاثة ملايين، ويعيشون ظروفاً معيشية سيئة، كي يعودوا إلى بلادهم.

ويجدر بكلٍ من الحكومة العراقية والإدارة الأمريكية أن تتبنى منظوراً تكاملياً أو "ذكياً"، إذا استعرنا المصطلح المفضل لدى الأخيرة، من المسألة العراقية؛ يقوم على التنسيق "الفعّال" بين الجهود الأمنية والجهود الدبلوماسية وجهود التنمية. بعبارة أخرى، يجدر بهما التركيز على عملية بناء الدولة العراقية، وزيادة وتيرة التنمية الاقتصادية، وبناء المؤسسات الحكومية أو زيادة كفاءتها وشفافيتها، ورفع معدل القدرات الأمنية والقتالية للشرطة والجيش العراقيين، بالتواكب مع مصالحة أهلية، تشارك فيها كل القوى والجماعات العراقية، بما فيها قوى المقاومة والبعثيين المعتدلين. والأهم من ذلك هو مكافحة الفساد؛ فالعراق من أسوأ دول العالم فساداً، طبقاً لتقارير منظمة الشفافية الدولية، ولا سيما الفساد الجديد الذي ربما ينشأ عن تقاطر الشركات متعددة الجنسية على "الألدورادو" العراقية، بحسب جريدة لوموند الفرنسية (4/7). 

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات