تحديات صعبة تنتظر العراق

  • 10 مارس 2010

هناك إجماع بين المراقبين والمحلّلين والمهتمّين بالشأن العراقي على أن العراق مقدم على جملة من التحدّيات الصعبة والمصيرية خلال الفترة التالية للانتخابات البرلمانيّة التي انتهت مؤخراً، وأن الدولة العراقية تعيش لحظة فارقة في تاريخها الحديث سوف يترتّب على تفاعلاتها ومتغيّراتها وطريقة التعامل مع هذه المتغيرات الكثير ممّا يتعلق بالمستقبل. إن التجربة الديمقراطية العراقية بجوانبها ومكوّناتها كلّها، الدستورية والمؤسسية، تواجه اختباراً كبيراً في ضوء الانتخابات الأخيرة، لأن العراقيين الذين واجهوا التهديدات بالقتل من أجل الإدلاء بأصواتهم فيها، راهنوا عليها في بناء عراق جديد مختلف عن ذلك الذي عاشوا في ظلّ صراعاته ومشكلاته واضطراباته منذ عام 2003، ولهذا فإن أيّ تعثّر في هذا المسار من شأنه أن يوجِد حالة من الإحباط وعدم الثقة بالمؤسسات والقوى السياسية القائمة، يمكن أن تؤدّي إلى نتائج كارثية، لأنه عندما تتراجع الثقة بإمكانيّة الإصلاح والتغيير والمشاركة من خلال الأطر السلمية في بلد متعدّد الطوائف والمذاهب والأعراق، فإن هذا يفتح المجال لصراعات أهليّة خطرة يمكن أن تقود البلاد كلّها إلى منزلق كارثي.

القوى السياسية العراقية بمختلف توجّهاتها ومشاربها، تواجه اختباراً كبيراً أمام الشعب العراقي، في ما يتعلّق بصدقيّتها وقدرتها على قيادة البلاد إلى مرحلة جديدة من العمل الوطني يتم فيها التسامي على الخلافات، وإعلاء مصلحة الوطن العليا فوق المصالح الفئويّة الضيقة كلّها، وذلك من خلال حكومة وحدة وطنيّة تكون قادرة على التعامل مع التحديات السياسية والأمنية والتنموية المطروحة بفاعليّة وروح واحدة، خاصة أن هذه التحديات تنطوي على درجة كبيرة من الحساسيّة والتعقيد والخطورة. لقد مرّت على العراق سنوات صعبة منذ عام 2003، واجه فيها الإرهاب والصراع الأهلي والتدخّلات الخارجيّة في شؤونه الداخلية، وعلى الرّغم من بعض النجاحات التي تحققت في ما يتعلّق بالوضع الأمني ومواجهة جماعات العنف، فإن هناك الكثير من الملفّات التي ما زالت عالقة، وتحتاج إلى مزيد من الجهد والعمل الجماعي والحوار البنّاء من أجل معالجتها على قاعدة احترام نتائج الانتخابات وخيارات الناخبين العراقيين، والحفاظ على سيادة العراق ووحدته الإقليميّة وانتمائه العربي، وتكريس مبدأ المواطنة التي يستظلّ بظلها الجميع بصرف النظر عن اختلاف العرق أو الجنس أو المذهب أو الدين.

تتيح الانتخابات الأخيرة، برغم ما أثير قبلها وحولها وفي أثنائها من خلافات وسجالات، فرصة تاريخيّة أمام العراق وقواه السياسية والدينية المختلفة، من أجل بناء نظام سياسي قويّ، وإرساء تقاليد سياسية مستقرّة، وتجاوز مرحلة المحاصصة الطائفية التي وجِدت في ظروف معيّنة بعد عام 2003، خاصة أن ثمّة مؤشرات إلى تراجع تأثير الأحزاب الدينية والمذهبية في الشارع العراقي، وتزايد اتجاه العراقيين نحو التصويت على أسس وطنيّة، كما حدث في انتخابات المحافظات الأخيرة، وكما تشير الملامح الأوليّة لنتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة. يجب أن تكون الانتخابات خطوة نحو الوحدة وبناء الأمة العراقية والمواطنة الحقّة، وليست مقدّمة للتشرذم والخلاف والجمود السياسي.

Share