تحديات جديدة للاقتصاد العالمي

  • 18 مارس 2012

يرى المتابع أن الاقتصاد العالميّ قد قطع بعض الخطوات على طريق التعافي، وأنه استطاع، على مدار العامين الماضيين، التقدّم إلى الأمام مبتعداً عن منطقة القاع على منحنى الأداء، التي كان قد بلغها في أسوأ مراحل “الأزمة الماليّة العالميّة”، بتمكنه من الخروج من مرحلة الانكماش في كلٍّ من حجم الناتج المحلي الإجمالي، وحجم التبادل التجاري عبر الحدود الدوليّة، وحجم تدفقات الاستثمار الأجنبيّ بشقيه المباشر وغير المباشر، وتمكّنه من التهدئة من روع المتعاملين في القطاع العقاريّ والمتعاملين مع المصارف والمؤسسات المالية، عبر إيقاف نزيف أسعار الأصول العقاريّة، ومحاصرته موجة إفلاس المؤسسات المالية والمصرفية، التي كبّدته خسائر تقدر بنحو 50 تريليون دولار في صورة اقتطاع صافٍ من قيمة أصوله، وكذلك تمكّنه من محاصرة موجة تسريح الأيدي العاملة، خصوصاً في الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الاقتصاد الأمريكيّ الذي استطاع تقليص معدل البطالة فيه من نحو 10٪ منذ ما يقرب من عام إلى نحو 8.3٪ حالياً.

لكن هذا المشهد الإيجابيّ، الذي بدا عليه الاقتصاد العالمي خلال العامين الماضيين، قد شهد بعض الانتكاسات خلال الشهور الماضية، فتحوّل من جديد إلى مشهد تشوبه العديد من مظاهر القلق والضبابية، وبدا مستقبله أكثر قتامة وتشاؤماً، بسبب التحدّيات التي واجهته من جديد، فأجبرته على تغيير مساره، أو على الأقلّ تسببت بتغيير وقع خطواته على طريق التعافي، فأصبحت خطواته غير ثابتة، وأكثر بطئاً. وتعدّ أزمة المديونية الحكومية المتصاعدة في الاقتصادات الكبرى، وعلى وجه الخصوص في “منطقة اليورو”، التحدّي الأكبر الذي هدد تعافي الاقتصاد العالمي خلال الفترة الأخيرة، بعد أن ارتفعت نسبة تلك المديونية في عدد من الدول في “منطقة اليورو”، كاليونان وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا، إلى مستويات قياسيّة، بالتوازي مع تنامي هذه المديونيات خارج تلك المنطقة، كما هي الحال في الولايات المتحدة واليابان أيضاً، وكانت المحصّلة بلوغ تلك المديونيات مستويات مرتفعة تخطّت معايير السلامة والاستقرار النقدي والمالي كلها، سواء على المستوى المحلي لتلك الاقتصادات، أو على المستوى الكلي للاقتصاد العالميّ برمته.

وتسبّب تنامي أزمة المديونية الحكومية بهذه الطريقة في تجديد آلام الاقتصاد العالمي، ما أوجد حالة من القلق العام على مستوى العالم، وضاعف من مخاوف المستثمرين، أفراداً ومؤسّسات كبرى، وأعاد المخاوف من جديد إلى أذهان المستهلكين الأفراد، وزاد من قلقهم على مستقبلهم المعيشيّ والوظيفيّ، بمعنًى آخر افتقد الاقتصاد العالمي ثقة المستثمرين والمستهلكين بأدائه، وهو التحدّي الأخطر الذي يمكن أن يواجهه الاقتصاد في أي فترة من الفترات، خصوصاً أن هذه الأجواء تشهد (كما تشهد الفترة الحالية) نزوعاً من طرف المستثمرين والمستهلكين عن الإنفاق، ما يفقد الاقتصاد العالميّ أهم محرك من محركات النمو، ويهدّده بالدخول في مرحلة من الركود العميق، وقد يكون التباطؤ، الذي بدا ظاهراً خلال الفترة الأخيرة في معدّلات النمو في “منطقة اليورو” والولايات المتحدة، بل الذي تم رصده في الاقتصادات الصاعدة، خصوصاً الصين، هو مؤشر منذر، وقد يكون الخطوة الأولى للاقتصاد العالميّ على طريق الركود.

Share