تحديات جديدة تواجه تعافي الاقتصاد العالمي

  • 17 أغسطس 2010

في أوائل شهر أغسطس/ آب من هذا العام، وبعد نحو عامين من الأزمة المالية العالمية، التي تبعتها "أكبر عملية تحفيز اقتصادي في تاريخ الكرة الأرضية"، تجددت  المخاوف من أن التعافي الاقتصادي العالمي الهش لن يستطيع البقاء من دون الدعم الحكومي.

وقد أكد اجتماع لجنة السوق المفتوحة التابعة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في 10 أغسطس/ آب، والذي كان الجميع يترقب نتائجه بقلق، المخاوف المتعلقة بتباطؤ الانتعاش الاقتصادي الهش، عندما قرر تأجيل العمل بالخطط المقررة لتخفيض التحفيز الاقتصادي؛ لأن التعافي الاقتصادي في الولايات المتحدة قد بدأ يفقد زخمه ويتباطأ. وقد أطلق هذا القرار عملية بيع كبيرة في الأسواق المالية للولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. وفي النهاية، خسر مؤشر داو جونز 3.3% في الأسبوع نفسه.

كما اعترف مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في بيان له، بأن سرعة التعافي الاقتصادي للولايات المتحدة قد "تباطأت في الأشهر الأخيرة"، وأنه كان عليه اتخاذ قرار بتحويل السندات العقارية إلى سندات حكومية طويلة الأجل. وقال البنك المركزي الأمريكي إنه سوف ينفق 10 مليارات دولار شهرياً لشراء سندات الخزينة الأمريكية عوضاً عن تخفيض الكلفة في بيان الميزانية؛ لأن هدفه المحافظة على المستوى الحالي من التحفيز في الاقتصاد الأمريكي.

وأعقبت الأخبار السيئة عن الاقتصاد الأمريكي أخبار أخرى مقلقة آتية من آسيا، إذ انخفضت مؤشرات البورصات الآسيوية نتيجة تقارير عن النمو الاقتصادي الضعيف في اليابان في الربع الثاني من هذا العام، والذي سجل رقماً ضئيلاً بلغ 0.1%. وفي الواقع، فإن تباطؤ الاقتصاد الياباني دفع الصين لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة؛ إذ إن قيمة الاقتصاد الياباني بلغت نحو 1.28 تريليون دولار خلال الربع الثاني من العام الجاري، وهو ما يعد أقل قليلاً من الاقتصاد الصيني الذي بلغت قيمته 1.33 تريليون دولار عن الفترة نفسها. ومع ذلك، فإن البيانات الرسمية الصادرة من الصين في 11 أغسطس/آب بينت أن إنتاج المصانع والإقراض أقل مما كانا عليه في يوليو/تموز. بالإضافة إلى ذلك، توقع مركز الدراسات الصيني (مركز معلومات الدولة التابع للهيئة الوطنية للتنمية والإصلاح) أن ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين على الأرجح في الربع الثالث إلى 9.2%، وإلى 8 -8.5% في الربع الرابع من هذا العام. وفي الوقت نفسه، استمر المصرف المركزي الهندي في زيادة معدلات الفائدة لتخفيض التضخم ذي الرقمين، فيما لا يزال اقتصاد الهند يقاوم مخاوف النمو المتسارع غير المنضبط.

وفي أوروبا، كانت أرقام النمو في الناتج المحلي الإجمالي الألماني مشجعة للغاية. ولكن إحصاءات مجموعة الوسط المضطربة (إسبانيا، البرتغال، واليونان)  أظهرت حالات تباطؤ في اقتصادات هذه الدول. علاوة على ذلك، انخفضت مستويات الإنتاج في أنحاء أوروبا في شهر يونيو/حزيران مع انخفاض ناتج المصانع بنحو 0.1%؛ ما أحبط التوقعات بزيادة الإنتاج، والتي تلت الانخفاض الذي تعرض له اليورو. ولقد حقق الناتج الصناعي الفرنسي تقدماً بطيئاً في الربع الثاني من 2010، حيث زاد زيادة طفيفة قدرت بـ 0.8%. وفي الواقع، انخفض إنتاج صناعة السيارات في فرنسا بنسبة 7.4%، في يونيو/حزيران، بعد انتهاء برنامج التحفيز الحكومي المعروف بـ"النقد مقابل السيارات".

ولكن الأنباء الأكثر قلقاً تابعت التدفق من الاقتصادات الكبرى في العالم. فطلبات ادعاءات البطالة في الولايات المتحدة زادت لتصل إلى أعلى مستوياتها في الأشهر الستة الأخيرة مسجلة 2000 طلب إضافي لتبلغ 484 ألف طلب، وفقاً لتقرير صادر عن وزارة العمل الأمريكية. وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي لا يحصل 50% من العاطلين على عمل لأكثر من ستة أشهر. وفي الواقع، يعد التحسن في أرقام التوظيف من الأمور المهمة جداً للتعافي الاقتصادي؛ لأن ذلك يزيد من قدرة إنفاق المستهلك، وبالتالي يزيد من الإنتاج الصناعي.

وفي هذه الأثناء، توسع العجز التجاري للولايات المتحدة بشكل غير متوقع في يونيو/حزيران مع تسجيل الصادرات الأمريكية أكبر انخفاض لها خلال أكثر من عام. ووفقاً لتقرير صدر عن وزارة التجارة الأمريكية في 11 أغسطس/آب، ارتفع العجز التجاري إلى 49.9 مليار دولار عنه في يونيو/حزيران، ما يشكل زيادة بنسبة 18.8% مقارنة بالشهر السابق عليه. وقد كانت هذه الأرقام مقلقة جداً؛ لأن الاقتصاديين توقعوا انخفاضاً في العجز التجاري بسبب أسعار النفط المنخفضة.

ولكن الأنباء الأكثر مدعاة للإحباط أتت من قطاع العقارات في الولايات المتحدة، الذي كان السبب الرئيسي وراء الأزمة المالية العالمية الراهنة. فوفقاً للتقارير الرسمية، انخفضت مبيعات المنازل القائمة والجديدة بـ 27% و12%، على التوالي، في يوليو/تموز مقارنة بمستوياتها في يونيو/حزيران. ويعد هذا أقل مستوى وصلت إليه مبيعات المنازل منذ أن بدأت الحكومة في إحصاء المبيعات في 1963. ولقد سجل مؤشر الجمعية الوطنية للبنائين لسوق الإسكان مستوى منخفضاً جديداً لثقة بنائي المنازل، حيث انخفض المؤشر إلى 13 نقطة في أغسطس/ آب بعد أن كان قد سجل 17 نقطة في الشهر السابق، وذلك بعد الانتهاء من تطبيق البرنامج الفيدرالي للحوافز الضريبية المقدمة لمشتريي المنازل في ربيع هذا العام. فقد انخفض مؤشر المبيعات الحالي من 15 إلى 14 نقطة في يوليو/ تموز، وانخفض مضمون توقعات المبيعات للأشهر الستة من 21 إلى 18 نقطة. وتجدر الملاحظة بأن مستويات المؤشر التي تزيد عن 50 نقطة تعني أن غالبية البنائين يرون أن حالات البيع في وضع مقبول. ووفقاً لـ "جوزيف ستيغلتز"، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، قد يواجه قطاع العقارات السكنية في الولايات المتحدة انخفاضاُ أو انكماشاً أكثر حدة هذا العام. ويخشى ستيغلتز من أنه على الرغم من خسارة 2 مليون من الأمريكيين لمنازلهم في 2008 و2009، فإنه في نهاية هذا العام سوف يفقد 2.5 إلى 3 مليون أمريكي منازلهم أيضاً. وعلى الرغم من أن سوق المنازل في الولايات المتحدة مدعوم بأكمله حالياً من الحكومة، فإنه يخشى أن قطاع العقارات التجارية المضطرب سوف يزيد من عبء سوق المنازل؛ لأن نصف حجم قطاع العقارات التجاري يواجه مشكلات تتعلق بتسديد القروض.

وهذه الإحصائيات غير المطمئنة تزيد من حالة التشاؤم بين الاقتصاديين بخصوص حالة الاقتصاد العالمي. ولهذا، يشير بول كروغمان، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، إلى أنه يخشى من "أننا الآن في المراحل الأولى من حالة كساد اقتصادي ثالثة". وفي هذا الخصوص، ادعى الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، آلان غرينسبان، أن النظام المالي العالمي قد أفلس، وأن "خياراتنا الآن ليست بين الجيد والأفضل، بل بين السيئ والأسوأ. والمشكلة التي نجابهها الآن هي أكثر الأزمات المالية الاستثنائية، والتي لم أعرف أو أقراً عنها إطلاقاً".

علاوة على هذا التشاؤم، هناك كثير من الارتباك والجدل بين الاقتصاديين والحكومات في جميع أنحاء العالم حول طبيعة الأزمة والإجراءات المطلوبة لإنقاذ الاقتصاد العالمي. فمن ناحية، تقوم الدول الأوروبية بالتركيز أكثر على تطبيق إجراءات قاسية من أجل تخفيض ديونها الوطنية المتزايدة، حتى ولو تطلب ذلك تخفيضاً قصير الأمد لسرعة النمو. وبالمقابل، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تواصل إجراءات التسهيل المالي والتحفيز المالي في محاولة للخروج من الركود الاقتصادي. وربما تدرك الولايات المتحدة بأنها حالياً تتمتع بمقدار أكبر من حرية الحركة مقارنة بنظيراتها الأوروبية، ولكن قدرتها على زيادة الإنفاق الحكومي لموازنة انكماش القطاع الخاص قد بدأت تهبط بسرعة.

وما يثير الانتباه هو أن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي بن برنانكي قد أشار في العام 2002 بأن طباعة الدولار الأمريكي بدون قيود قد يبعد أي كساد أو انكماش اقتصادي. وقد خاطب آنذاك مجلس حكام الاحتياطي الفيدرالي قائلاً كلماته الشهيرة: "تملك حكومة الولايات المتحدة الأمريكية تقنية تدعى المطبعة، تسمح لها بإنتاج ما تشاء من الدولارات بدون كلفة تقريباً". ودلل على رأيه بالإشارة إلى عبارة الاقتصادي الكبير ميلتون فريدمان حول استعمال إنزال النقود بالهيلكوبتر إلى الاقتصاد لمكافحة الانكماش.

ومن المفارقة أن العديد من الاقتصاديين يدّعون اليوم أن المطبعة قد تكون هي السبب وراء المشكلة؛ لأنها أجهضت الإصلاحات الأولية الضرورية للاقتصاد، وأنشأت فقاعات أصول في أسواق التكنولوجيا والعقارات، وخلقت مخاطر وديوناً بسرعات أكبر مما تستطيع المطبعة أن تتكيف معه. ولهذا، فإن بعض الاقتصاديين يدّعون أن الولايات المتحدة تواجه الآن حالة إفلاس بفضل سياساتها المالية والنقدية المنفلتة. وفي الواقع، وفي مقالة حديثة لـ"وكالة بلومبرغ للأنباء"، يرى البروفسور لورنس كوتليكوف من جامعة بوسطن أن المسكوت عنه في الجدل حول تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية هو أن الولايات المتحدة باتت تعاني الإفلاس، حيث قال: "لنكن واقعيين. إن الولايات المتحدة مفلسة. ولن يستطيع الإنفاق أو تقليل الضرائب مساعدة البلاد على تسديد فواتيرها". و قد ردد البروفسور نيال فيرغسون من جامعة هارفارد الرأي نفسه؛ حيث يجزم "يمكنكم تسميتها بالحساب القاتل للتدهور الإمبريالي … وبدون إصلاح مالي جذري، فإنها سوف تنطبق على أمريكا في المرحلة التالية". ولهذا، فإن التعافي الاقتصادي العالمي الناشئ لا يزال يواجه كثيراً من الرياح المعاكسة، وليس جاهزاً لأزمة مماثلة لأزمة 2008. ووفق كلمات المستثمر والخبير المالي الأمريكي جيم روجرز "عندما تحصل الأزمة التالية، فإن العالم سوف يكون بحالة أسوأ لأن العالم قد استنفذ كل طلقاته".

Share