تحديات جديدة تواجه العلاقات التجارية بين اليابان ودول الخليج

  • 6 ديسمبر 2010

بغض النظر عن الأزمة الاقتصادية الأخيرة في اليابان، فإن البلاد تواجه خياراً واضحاً، لا غنى عنه، يتمثل بضرورة الدفع بالعلاقات القديمة التي تربطها مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى أبعد من حدود أمن الطاقة. فالتجارة الصينية تتنامى بقوة مع العالم العربي، ومن المتوقع أن تصل إلى ما بين 350-500 مليار دولار بحلول عام 2020، ولابد لطوكيو أن تتخذ خطوات جذرية للبقاء في محافل الكبار. ويقول المتابعون وصانعو القرار إنه يتعين على اليابان ألّا تتردد في أداء دور أكبر وأكثر شمولية، وعلى مختلف الأصعدة في منطقة الخليج. ومن الجيد أن كلا الطرفين قد أدرك أهمية هذا الأمر، ويبدو أن كليهما أصبح أكثر إصراراً من ذي قبل على المضي قدماً في تطوير العلاقات المشتركة على أسس صلبة. 

وبتجاوز الصين لليابان كثاني أكبر اقتصاد في العالم، فإن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الطريق ليكونا ساحة التنافس للعملاقين الآسيويين. فمن الصعب الآن على اليابان أن تزدهر على أرض ازدهرت فيها الشركات الصينية العملاقة، التي نمت بقوة في السنوات الأخيرة في منطقة الخليج، مما أكسب الصين مزية الحضور الأول. كما أن اليابان لن تدخل هذه المرحلة من مصدر قوة، فقد تراجع نمو صادراتها أكثر مما هو متوقع، وضعف تفوقها التجاري الذي ساعدها على التعافي من ركود ما بعد الحرب. إضافة إلى أن ارتفاع الين مقابل الدولار -أكثر من 11 بالمائة هذا العام فقط- خفض محصلات الصادرات اليابانية وآثار مخاوف حقيقية على إيرادات المصنعين اليابانيين في الخارج.

من حسن حظ اليابان أنها تمتعت بقدر مناسب من أمن الطاقة من خلال إمدادات النفط الخليجي، حتى في فترات الركود. وكما هو الحال في كثير من الدول، فإن الصناعة اليابانية تدين بهذا التفوق لدول المنطقة التي تمدها بمصادر الطاقة؛ حيث تعتمد اليابان بشكل مستمر على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لتأمين أكثر من 50% من احتياجاتها النفطية. كما أن الكويت أيضاً من ضمن الموردين الخمس الأوائل للنفط الخام لليابان؛ حيث ارتفعت صادراتها النفطية لليابان في أغسطس/آب بنسبة  1.3 بالمائة مقارنة بالعام الماضي، لتصل إلى 8.89 مليون برميل خلال هذا العام، أو نحو 290 ألف برميل يومياً. أما قطر فقد ارتفعت صادراتها إلى اليابان بنسبة 8.1 بالمئة مقارنة بالعام الماضي لتصل إلى 487,000 برميل يومياً. وتعد اليابان ثالث أكبر مستهلك للنفط بعد الولايات المتحدة والصين، وتعتمد بشكل كبير على استيراد النفط الخام لتلبية احتياجاتها المحلية من الطاقة.

وبالرغم من الثبات النسبي لمعادلة الطاقة، فإن العلاقات التجارية بين اليابان ودول مجلس التعاون الخليجي لم تكن دائماً ثابتة. ففي العام 2009 مثلاً، انخفضت تجارة اليابان مع الإمارات العربية المتحدة بنسبة 51.9 بالمائة، كما  انخفضت التجارة بين اليابان والمملكة العربية السعودية بنحو 40.95 بالمائة ثم انعكست الآية هذه السنة. فطبقاً لهيئة التجارة الخارجية اليابانية (جيترو)، ارتفعت قيمة واردات اليابان من الخليج خلال الأشهر الخمس الأولى من عام 2010 بنسبة 61.7 بالمائة بسبب الارتفاع في أسعار النفط الخام. كما ارتفعت التجارة البينية ما بين الإمارات العربية المتحدة واليابان بنسبة 47 بالمائة لتصل إلى 14.96 مليار دولار خلال هذه الفترة، بالمقارنة مع 10.18 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي. وفي الوقت نفسه، ارتفعت واردات اليابان من المملكة السعودية بنسبة 62.8 بالمائة، بينما ارتفعت وارداتها من الإمارات العربية المتحدة بنسبة 58.5 بالمائة.

وعلى الرغم من هذا التذبذب فقد حرص صانعو القرار في الجانبين على تعزيز علاقاتهم المشتركة. فخلال الاجتماع العاشر للجنة السعودية- اليابانية المشتركة في طوكيو في شهر مايو/ أيار 2010، أعرب الجانبان عن ارتياحهما لمعدلات التبادل التجاري. فاليابان ما تزال تحتل المرتبة الثانية في قائمة شركاء المملكة العربية السعودية التجاريين، بينما تعد السعودية أكبر موردي النفط لليابان، فهي تزود اليابان بحوالي 29 بالمائة من استهلاكها. وتحتل اليابان المرتبة الثالثة بين الدول المصدرة للاستثمار الأجنبي المباشر للسعودية. وبالنسبة للإمارات العربية المتحدة فقد بدأ التعاون يأخذ أبعاداً أكثر تطوراً. ففي وقت سابق من هذا الشهر، وقعت شركة أبوظبي الوطنية للنفط (أدنوك) اتفاقية للحصول على قرض بقيمة 3 مليارات دولار أمريكي مع مجموعة بنوك يابانية يقودها بنك طوكيو ميتسوبيشي، هذا بجانب الاتفاقية المبرمة مع بنك اليابان للتعاون الدولي التي تهدف لدمج الشركات اليابانية في أعمال تجارية أكثر في قطاع النفط في البلاد. 

الشراكات في قطاع الطاقة تعطي هي الأخرى دفقاً للتجارة وفرص الاستثمار بين الطرفين، وإن لم يكن بالمستوى المطلوب. ففي المنتدى الخامس والثلاثين للتعاون الياباني الشرق أوسطي، والذي عقد في أغسطس/ آب، أُعلن أن ما يزيد عن 300 شركة يابانية تعمل في الإمارات العربية المتحدة، وأن "إجمالي الاستثمارات اليابانية في البلاد بلغ 300 مليون دولار (ما يعادل 1.102 مليار درهم إماراتي)". وتعتبر اليابان مستثمراً أساسياً في أسواق أبوظبي، وتتجاوز حصتها في سوق الاستثمار الأجنبي المباشر في الإمارة ما نسبته 30%.

وتعتبر الشراكة بين شركة أبوظبي للاستثمار وشركة "إس بي آي" القابضة اليابانية شاهداً آخر على أن الجانبين ينظران لما وراء الأفق؛ حيث قامت الشركتان بتأسيس شركة لإدارة صندوق استثماري جديد مختص بالقارة الأفريقية، وبقيمة إجمالية أولية تصل إلى نحو 100 مليون دولار أمريكي. وسيركز الصندوق الجديد، الممول مناصفة بين الشركتين، على نيجيريا وغانا وكينيا ومصر وتونس والمغرب، وسيستثمر في عدة قطاعات بما فيها الخدمات المصرفية والتعدين والمنتجات الاستهلاكية والصناعات المختلفة. وتعتزم الشركة إدارة صناديق أخرى تفتح باب الاكتتاب لمستثمرين خارجيين مع توقع اهتمام قوي من المستثمرين الآسيويين.

لا تقتصر هذه الشراكات على الأعمال المصرفية والمالية فقط، حيث تم إحراز تقدم في قطاع الأعمال التجارية التقليدية بما يعود بالفائدة على كلا الطرفين. فالسوق الياباني يحظى بأهمية استراتيجية بالنسبة لقطاع الألمنيوم الأولي الذي تنتجه دولة الإمارات العربية منذ عام 1980. فقد قامت شركة دبي للألمنيوم (دوبال) -وهي واحدة من أكبر مجمعات صهر المعادن في العالم- ببيع إنتاجها من منتجات الألمنيوم لأكثر من 30 عميلاً في اليابان على مدى ثلاثة عقود، وبكميات أكبر بكثير مقارنة بالمناطق الأخرى التي تتعامل معها الشركة. ومع ظهور شركة الإمارات للألمنيوم (إيمال)، بتمويل مشترك مناصفة بين شركتي دوبال ومبادلة الإماراتيتين، تبرز فرصة ممتازة لزيادة حجم مبيعات الألمنيوم إلى اليابان وبناء تحالفات استراتيجية جديدة وتقوية الشراكات التجارية. ومن ناحية أخرى، فقد ساعدت اليابان دولة البحرين على أن تصبح أول دولة تصدر الحديد في المنطقة. ولا تزال اليابان تمثل أسطورة في كل منطقة الخليج في مجال صناعة السيارات.

وبإبرام مجموعة من اتفاقيات للتعاون النووي، زادت قوة العلاقات اليابانية مع دول الخليج. ففي سبتمبر/أيلول من هذا العام، وقعت الكويت اتفاقية ثنائية مع اليابان للتعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية. ويشمل نطاق عمل هذه الصفقة، التي تمتد خمس سنوات، التدريب والموارد البشرية وتطوير البنى التحتية وكذلك استخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء والتقنيات ذات العلاقة، وذلك حسب إرشادات المنظمة الدولية للطاقة الذرية (IAEA). وخلال شهر يناير/ كانون الثاني من العام الماضي، وقعت دولة الإمارات العربية على مذكرة تعاون مع اليابان لاستكشاف إمكانيات التطوير في مجال الطاقة النووية للاغراض السلمية.

ورغم هذه التطورات في علاقات اليابان مع دول مجلس التعاون الخليجي، فإنها لا ترقى إلى ما حققته علاقات دول الخليج مع الصين. فأسراب الشركات الصينية تتدفق على المنطقة للحصول على حصة من الكعكة في مشاريع البنى التحتية والطاقة. فالشركات الصينية من مختلف الأشكال والأحجام ترى أن الإمارات العربية المتحدة تمثل سوقاً قوياً، بالإضافة إلى كونها قاعدة انطلاق مناسبة نحو الأسواق الأخرى في المنطقة. وفي هذا السياق، تأسس مؤخراً في أبوظبي المصرف الصناعي التجاري الصيني (أي سي بي سي)، والذي يعد أحد أكبر المصارف في العالم، من حيث القيمة الرأسمالية، ويمارس هذا المصرف نشاطاته من خلال مركز دبي المالي العالمي منذ عام 2008، ولديه فرع آخر في مركز قطر المالي في الدوحة.

لقد تراجعت المصالح التجارية اليابانية في منطقة الخليج العربي مقارنة بتلك الصينية من حيث الحجم والتنوع، ففي عام 2008، أصبحت بكين أكبر مُصّدر لأسواق الشرق الأوسط متقدمة، بذلك على الولايات المتحدة الأمريكية، بقيمة تبلغ نحو 60 مليار دولار، في حين قدرت قيمة صادرات اليابان للمنطقة نحو 8 مليارات دولار 82 بالمائة منها كان مركزاً على صناعة المكائن والمعدات. وقد أدى الطلب الصيني المتزايد على النفط إلى زيادة معدلات النمو في العالم العربي، وفي الوقت نفسه كانت الأسواق العربية تعتمد على الصين لتوفير المنتجات الاستهلاكية. وهذه المعادلة تمثل حالة ربح أكيد للصين، حيث إن الطلب المتنامي على المنتجات الصينية في أسواق الشرق الأوسط يضمن فرص عمل للملايين من العمال الصينين الذين فقدو وظائفهم في خضم أزمة الانكماش الاقتصادي، وربما هذا هو الوقت المناسب لليابان بأن تتخذ السبيل نفسه للتعافي.

Share