تحديات الاقتصاد العالمي ومسؤوليات المرحلة

  • 23 فبراير 2016

يبدو أن الاقتصاد العالمي سيبقى أداؤه عرضة للضغوط والانتكاسات خلال عام 2016، وأن نتائج هذا الأداء لن تختلف كثيراً عنها في عام 2015، حيث إن تراجع معدلات النمو الذي كان مَعْلَماً أساسياً لأدائه في ذلك العام، سيظل بدوره سمة محورية لأدائه خلال العام الجاري، ولاسيما في ظل تباطؤ النمو في الاقتصادات الصاعدة، وعلى رأسها الاقتصاد الصيني، الذي يعاني كثيراً هذا العام، بل إن معاناته لم تعد قاصرة على عدم القدرة على تأمين محفزات النمو الذاتي، بل إنه بدا خلال الفترة الماضية فاقداً للخيارات والبدائل اللازمة لهذا التحفيز، بسبب بعض المشكلات التي تعانيها الحكومة الصينية ذاتها. وإلى جانب ذلك، تظل سمة ضعف وهشاشة النمو مسيطرة على الاقتصادات المتقدمة، فهناك مخاوف من حدوث ارتدادات عكسية في أداء الاقتصاد الأمريكي، هذا بالإضافة إلى استمرار اقتصاد منطقة اليورو في ذات المنطقة الرمادية التي لا تبدو فيها ملامح التعافي واضحة، هذا إلى جانب المخاوف المتزايدة من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بما قد يجلبه ذلك من تداعيات سلبية بشأن الاقتصاد العالمي برمته، وليس الاقتصاد الأوروبي فقط.

في الوقت ذاته فإن ما تشهده أسواق النفط والطاقة العالمية بشكل خاص، وأسواق السلع والمواد الأولية بشكل عام، لا يخلو بدوره من دلالات بشأن الأفق المستقبلية لأداء الاقتصاد العالمي في عام 2016، حيث إن هذه الأسواق تعاني تراجعاً مزمناً في معدلات نمو الطلب، حتى إن هذا الطلب لم يعد قادراً على استيعاب الزيادة المتواصلة في حجم المعروض، وهذه السمة تبدو جلية بوضوح في أسواق النفط العالمية، إذ إن الحالة غير التوازنية التي تعانيها هذه الأسواق، لا يمكن فهمها من دون التطرق إلى تراجع نمو الطلب على النفط، وبطبيعة الحال فإن الزيادة المبالغ فيها في إنتاج النفط من قبل بعض الدول، لها إسهام مهم في الضغوط التي تعانيها الأسواق، لكن التراجع في الطلب له إسهام غير قليل أيضاً، وهذا التراجع ليس إلا جزءاً من حالة التراجع العام في معدلات نمو النشاط الاقتصادي العالمي، وحالة الوهن الشديد التي يعيشها الاقتصاد العالمي، الذي يفقد رويداً رويداً عوامل الدفع والتحفيز، مع تراجع معدلات النمو في الاقتصادات الأكثر أهمية، وصاحبة الدور المركزي في تحفيز نموه.

حقيقي أن الاقتصاد العالمي شهد خلال السنوات الماضية حالة من الانتعاش النسبي، والخروج التدريجي، من تداعيات «الأزمة المالية العالمية»، التي أضرته كثيراً في عامي 2008 و2009، لكن البيانات والمؤشرات الصادرة عن الجهات الرسمية والمؤسسات المختصة في عدد من دول الاقتصادات الكبرى، في الولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان وألمانيا، وغيرها، فضلاً عن المؤشرات الصادرة عن المؤسسات الاقتصادية الدولية وعلى رأسها «صندوق النقد الدولي»، جميعها تنذر بأن عام 2016 لن يتعدى كونه استمراراً للمسارات نفسها التي سلكها الاقتصاد العالمي خلال العام الماضي، وهو ما يضع مسؤوليات كبيرة على الدول والحكومات، ويزيد من الضغوط الملقاة على عاتقها.

وفي مثل هذه الأثناء، فإن حكومات الدول الناشئة والصاعدة، التي من بينها حكومات دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، التي ما زالت تمتلك إمكانات كبيرة لتحفيز النمو الذاتي لاقتصاداتها، عليها التركيز بشكل كبير على الوصول إلى الاستغلال الأمثل لمواردها كافة، مع إعادة النظر باستمرار في سياساتها الاقتصادية الكلية، من أجل أن تكون أكثر مرونة، وقدرة على التعامل مع المستجدات والتطورات، وأكثر قدرة على استغلال الفرص التي تتيحها التغييرات المتوالية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، مع تجنب السلبيات التي تكتنف أداءه، لكي لا تمثل قيداً على اقتصاداتها الوطنية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات