تحديات "إنسانية" في العراق

  • 31 مارس 2003
في خضم انشغال الدوائر السياسية بمتابعة مجريات الحرب الدائرة في العراق باعتبارها "حدث اللحظة"، تبرز من بين التقارير المصورة معاناة الشعب العراقي لتفرض نفسها على الجميع بوصفها تحديا إنسانيا ملزما.

والمتابع لمعاناة الشعب العراقي يجد نفسه أمام خيار حاسم يقضي بضرورة الاهتمام برفع المعاناة عن كاهل هذا الشعب الذي يواجه أياما صعبة وشاقة، وبالتالي قد يكون من المفيد سياسيا ودبلوماسيا التركيز على أوضاع الشعب العراقي سواء من خلال الإسهام الجاد والحقيقي في رفع المعاناة الإنسانية عنه، أو المشاركة الفاعلة في رسم مستقبله بدلا من الاستغراق في الحديث عن "مشروعية" حرب اندلعت ألسنتها بالفعل ولم يعد من المجدي البحث في خلفياتها التي لن تؤثر بأي حال في تطورات الأيام المقبلة. وبطبيعة الحال، فإن الحديث عن الشعب العراقي لا ينفك عن العراق، الدولة والدور المستقبلي، فالحفاظ على وحدة أراضي العراق وتماسكه ينطوي على مصلحة لجميع دول المنطقة، بل ودول العالم أجمع وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. والحديث عن تحديات إنسانية في العراق يفرض نفسه على أجندة العمل السياسي ويزداد إلحاحا في ظل رفض القيادة العراقية قرار الأمم المتحدة الأخير رقم 1472 والذي تضمن إسناد إدارة برنامج "النفط مقابل الغذاء" إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، إذ تشير ردود الفعل الواردة ضمن الخطاب السياسي العراقي إلى صعوبة حدوث أي نوع من التعاون في هذا المجال بين بغداد والأمم المتحدة لتلبية الاحتياجات الإنسانية للشعب العراقي، وما يزيد الأمر سوءا أن مخزونات السلع الاستهلاكية في العراق باتت إما على وشك النفاذ أو معرضة للدمار بفعل العمليات العسكرية الدائرة.

وبعيدا عن سلوكيات "جلد الذات" التي يمارسها الكثيرون في بعض الفضائيات، قد يكون من الأجدى التحرك بفاعلية لمنع كارثة إنسانية تضاعف معاناة الشعب العراقي، وخصوصا أن العراقيين باتوا يعتمدون خلال السنوات الأخيرة على آليات حكومية معينة للحصول على حاجاتهم الأساسية، حيث تشير التقارير إلى أن نحو 60% من السكان أي نحو 16 مليون نسمة يعتمدون على الحكومة في تأمين سلة الطعام الشهرية ما يعني أن أي توقف في عمليات توزيع السلع الأساسية سيفتح الباب أمام كارثة إنسانية يصعب التنبؤ بمداها أو تقدير حجم خسائرها، أضف إلى ذلك أن مقدرة الشعب العراقي على التكيف مع هكذا ظروف لم تعد كما كانت قبل 13 عاما لذا فإن عرقلة تنفيذ برنامج "النفط مقابل الغذاء" من جانب الحكومة العراقية سيكون له حتما أثر خطير على الوضع الإنساني في البلاد.

جولة الصراع الجديدة التي يخوضها النظام العراقي مع مجلس الأمن حول مسؤولية إدارة برنامج "النفط مقابل الغذاء" تبدو محفوفة بالأخطار وتنطوي على مزيد من المعاناة للشعب العراقي ما يفرض ضرورة منح الاعتبارات الإنسانية أولوية تفوق الرؤى والحسابات السياسية، كما أن على المجتمع الدولي التحرك بفاعلية لدرء معاناة إنسانية قبل أن تتحول هذه المعاناة إلى أرقام وإحصاءات تقض المضاجع وتبقى شاهدا على فشل "دبلوماسية الكلام".

 

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات