تحت غطاء فيروس كورونا يعيث الأشرار فساداً في العالم

  • 21 مايو 2020

يتناول جوناثان فريدلاند، كاتب عمود لدى «الغارديان» في مقاله في الصحيفة تداعيات تفشي فيروس كورونا المستجد، على الكثير من المجالات والقضايا الدولية والعالمية؛ ويلقي الضوء على استغلال هذه الأزمة من قبل الشعوبيين والطغاة والمستبدين.

تحت غطاء فيروس كورونا، تحصل جميع أنواع الشر. وفي حين نرى أنا وأنت أزمة صحية عالمية، فإن السلطات الاستبدادية البارزة في العالم، ومثيري الخوف، والقوى الشعبوية وجدوا فرصة؛ وهم ينتهزونها.

بطبيعة الحال، لا يحتكر أي من اليسار أو اليمين الفكرة البديهية بأن المرء لا ينبغي أن يترك فرصة جيدة تذهب سدى، إذ يشترك الكثير من التقدميين في هذه القناعة، مؤكدين أن الجائحة توفر فرصة نادرة لإعادة تعيين الطريقة التي ننظم بها مجتمعاتنا غير المتكافئة، ومدننا المسدودة، وعلاقتنا المشوهة بالعالم الطبيعي. ولكن هناك آخرون، وهم يميلون إلى أن يكونوا في السلطة، يرون هذا الانفتاح مختلفاً تماماً. بالنسبة لهم، يجعل الفيروس فجأة إجراءً ما ممكناً، بينما يمكن أن تترتب عليه في الأوقات العادية تكلفة باهظة. الآن يمكنهم أن يضربوا بينما ينظر العالم في الاتجاه الآخر.

بالنسبة للبعض، كوفيد-19 هو السلاح المفضل. انظر إلى الأدلة التي ظهرت مؤخراً على أن بشار الأسد في دمشق وشي جين بينغ في بكين يسمحان للمرض بإحداث دمار بين تلك المجموعات التي يعتبرها الحكام بمثابة «اللا أشخاص»، وأن حياتهم لا تستحق الحماية الأساسية. الأسد يتعمد ترك السوريين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة أكثر عرضة للإصابة بالجائحة، وذلك وفقاً لويل تودمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، والذي على حد تعبيره: «كوفيد-19 أعطى الأسد فرصة جديدة لاستغلال المعاناة».

وفي الوقت نفسه، تواصل الصين احتجاز مليون مسلم من الإيغور في معسكرات الاعتقال، حيث يواجهون الآن ليس فقط الظروف غير الإنسانية ولكن أيضاً تفشي فيروس كورونا. هذه المخيمات ضيقة وتفتقر إلى الصرف الصحي الملائم ولديها مرافق طبية ضعيفة؛ ولن يتمنى الفيروس مكاناً أفضل للتكاثر. والأكثر من ذلك، تفيد التقارير بأن مسلمي الإيغور يُجبرون على العمل كعمال، لملء مكان غير المسلمين المسموح لهم بالبقاء في المنزل وحماية أنفسهم. وهذا، بحسب أحد المراقبين، «يعكس كيف تنظر جمهورية الصين إلى [الأيغور المسلمين] على أنهم لا يتعدون كونهم سوى سلعة يمكن التخلص منها».

في مكان آخر، منحت الجائحة الديكتاتوريين المحتملين عذراً للاستيلاء على المزيد من السلطة. وهنا يأتي فيكتور أوربان من المجر، الذي كان رده على فيروس كورونا فورياً؛ حيث أقنع برلمانه اللين والمطيع بمنحه الحق في «الحكم بمرسوم». فقد قال أوربان إنه بحاجة إلى سلطات طارئة لمكافحة المرض المخيف، ولكن لا يوجد حد زمني لها؛ ستظل لديه حتى عند انتهاء التهديد. وهي تشمل سلطة سجن أولئك الذين «ينشرون معلومات كاذبة». وقد أدى ذلك بالفعل إلى قمع الأفراد الذين كل ذنبهم هو نشر انتقادات للحكومة على «فيسبوك». سعى أوربان منذ فترة طويلة إلى حكم المجر كدولة أوتوقراطية، لكن الجائحة أعطته الفرصة، مما سمح له بوصف أي شخص يقف في طريقه على أنه غير راغب في مساعدة القائد على مكافحة تهديد مميت.

لم يفوّت «شي» هذه الحيلة نفسها، حيث استخدم فيروس كورونا لتكثيف فرضه لنظام أورويل «للائتمان الاجتماعـي» فـي الصين، حيث يتم تتبـع المـواطنين ومراقبتهم وتقييم مدى امتثالهم. الآن يمكن لهذا النظام أن يشمل الصحة، وبفضل الفيروس، من المرجح أن يتلاشى الكثير من التردد العام الذي كان موجوداً سابقاً تجاهه. ففي نهاية الأمر، وفقاً للمنطق، فإن المواطنين الصالحين ملزَمون بالتأكيد بالتخلي عن المزيد من استقلاليتهم إذا كان ذلك يساعد في إنقاذ الأرواح.

بالنسبة للعديد من الرجال الأقوياء في العالم، على الرغم من ذلك، لا يحتاج فيروس كورونا أن يكون عذراً. فقيمته الرئيسية هي الإلهاء العالمي الذي خلقه، ما سمح للحكام من غير أصحاب المبادئ بإلحاق الأذى عندما ينشغل النقاد الطبيعيون في الداخل والخارج بأعمال الحياة والموت.

يتلقى دونالد ترامب الكثير من الانتقادات بسبب تعامله الفاشل مع الفيروس، ولكن بينما يحدق الجميع في الفوضى التي يخلقها بإحدى يديه، فإن الأخرى حرة لترتكب أعمال التخريب التي لا يمكن اكتشافها. أفادت صحيفة الغارديان هذا الأسبوع أن الجائحة لم تبطئ التآكل المطرد والمتعمد لإدارة ترامب لحماية البيئة. أثناء الإغلاق، خفف ترامب معايير كفاءة الوقود للسيارات الجديدة، وقام بتجميد القواعد المتعلقة بتلوث الهواء بالسخام (السناج)، واستمر في تأجير الممتلكات العامة لشركات النفط والغاز، وقدم اقتراحاً بشأن التلوث بالزئبق من محطات الطاقة من شأنه أن يسهّل ذلك أيضاً. وكما أنه خفف من قواعد الإبلاغ عن الملوِّثين.

لقد سبق جاير بولسونارو، النسخة البرازيلية المصغرة من ترامب، أستاذه، فلعدم قناعته بمجرد القيام بتغييرات في دفتر القواعد، قام بتنحية الوكالات البيئية الخبيرة جانباً، وأرسل الجيش «لحماية» غابات الأمازون المطيرة. أقول «حماية» لأنه، كما ذكرت شبكة (أن بي سي نيوز) هذا الأسبوع، تظهر صور الأقمار الصناعية «ازدياد إزالة الغابات في الأمازون تحت غطاء فيروس كورونا». ارتفع الدمار في إبريل بنسبة 64% عن الشهر نفسه من العام الماضي. وتكشف الصور عن مساحة من الأرض تعادل 448 ملعب كرة قدم، مجردة من الأشجار، هذا في المكان الذي هو بمثابة رئتي كوكب الأرض. لو لم يكن العالم مستغرقاً في مكافحة فيروس كورونا، لكانت هناك صيحة احتجاج. بدلاً من ذلك، وفي خضم تشتتنا، سقطت هذه الأشجار دون صوت.

أحد المعجبين الآخرين بترامب، الهندي ناريندرا مودي، رأى الفرصة نفسها التي ميزها زملاؤه من القوميين المتطرفين. وفقاً للناشطين، تستخدم الشرطة الهندية عملية الإغلاق لقمع المواطنين المسلمين وقادتهم «بشكل عشوائي». وأولئك الذين يتم اعتقالهم أو احتجازهم يكافحون من أجل الاتصال بمحام، بالنظر إلى القيود المفروضة على الحركة. ويحسب مودي أن رأي الأغلبية سوف يدعمه، حيث وصف السياسيون الهندوسيون اليمينيون الفيروس بأنه «مرض إسلامي»، وتعلن المحطات التلفزيونية الموالية لمودي أن الأمة تواجه «جهاد كورونا».

في إسرائيل، تم تسليم بنيامين نتنياهو -الذي يمكن القول إنه «ترامبي» قبل ترامب- شريان الحياة السياسي من قبل الفيروس، وتمكن من جذب جزء من حزب المعارضة الرئيسي إلى حكومة وحدة وطنية ستبقيه في السلطة، ويأمل كذلك، أن تبقيه خارج قفص الاتهام بتهم الفساد. إن ائتلافه الجديد ملتزم ببرنامج من شأنه أن يجعل إسرائيل تضم أجزاء رئيسية من الضفة الغربية، وتبتلع بشكل دائم أراضي يجب أن تنتمي إلى دولة فلسطينية مستقبلية، على أن تبدأ العملية في أوائل يوليو. ويشير الرهان الذكي الآن إلى ضرورة توخي الحذر: فمن المناسب لنتنياهو أن يعِد ويهدد بالضم أكثر مما يناسبه تطبيق ذلك. ومع ذلك، في الأوقات العادية، فإن مجرد احتمال مثل هذه الخطوة التي لا يمكن الدفاع عنها ستمثل تحولاً تاريخياً، وتتصدر جدول الأعمال الدبلوماسي العالمي. ولكن في هذه الأوقات الشاذة، بالكاد تم ذكرها ضمن الأخبار.

يقول روبن نيبليت، مدير «تشاتام هاوس»، إن العديد من الأشرار في العالم في الواقع «يظهرون ضعفهم بدلاً من قوتهم، وأنهم يدركون جيداً أنهم إذا فشلوا في إبقاء مواطنيهم على قيد الحياة، فإن سلطتهم ستتحطم. ويشير إلى تأجيل فلاديمير بوتين الإجباري للاستفتاء الذي كان سيبقيه في السلطة في روسيا على الأقل حتى عام 2036. وعندما يأتي هذا التصويت في نهاية المطاف، كما يقول نيبليت، سيخوضه بوتين متراجعاً بسبب فشله في خنق الفيروس.

حتى الآن، كانت الجائحة بمثابة نعمة للسلطويين والطغاة والمتعصبين في العالم. لقد أعطتهم أكثر ما يتوقون إليه: الخوف وغطاء الظلام.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات